انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

www.christianlib.com

الإِصْحَاحُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ

هُوَذَا الرَّبُّ يُخْلِي الأَرْضَ وَيُفْرِغُهَا وَيَقْلِبُ وَجْهَهَا وَيُبَدِّدُ سُكَّانَهَا .

يَنْتَقِلُ النَّبِيُّ فِي هَذَا الإِصْحَاحِ مِنَ الْخَاصِّ إِلَى الْعَامِّ ، فِي إِبْرَازِ تَأْثِيرِ الْخَطِيَّةِ الْمُدَمِّرِ. فَفِي الإِصْحَاحَاتِ ١٣-٢٣ أَعْلَنَ أَمَماً بِأَسْمَائِهَا بِمَا يَنْتَظِرُهَا مِنَ قَضَاءٍ إِلَهِيٍّ بِسَبَبِ الْفَسَادِ وَالارْتِدَادِ . أَمَّا هُنَا فَيَتَحَوَّلُ بِإِنْذَارَاتِهِ إِلَى الأَرْضِ كُلِّهَا. فَالْأَرْضُ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ أَصْلاً سَكَناً وَمَسْرَحاً لِحَيَاةِ الإِنْسَانِ وَسَعَادَتِهِ ، قَدْ أَصَابَهَا الْعَطَبُ ، وَبَاتَ لِزَاماً أَنْ " يَفْرِغَهَا " كَيْ يُجَدِّدَهَا ، فَلَوْثَةُ الْخَطِيَّةِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَى الأَرْضِ فَلَوَّثَتْهَا - حَرْفِياً - أَدِيماً وَهَوَاءً وَأَحْيَاءً وَجَمَاداً . وَتَهَيَّأَتْ لأَنْ تُشَارِكَهُ مَصِيرَهُ .

وَتَتَبَدَّى إِشْرَاقَةُ الرَّجَاءِ الْوَحِيدَةِ فِي هَذَا الإِصْحَاحِ عَمِيقِ الْحَزَنِ ، فِي الإِشَارَةِ إِلَى بَقِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ ، وَإِلَى أَفْرَاحِهَا وَتَرْنِيمَتِهَا الَّتِي تُخَفِّفُ مِنْ كَثَافَةِ لُغَةِ الْقَضَاءِ ( عد ١٣-١٦ ، ٢٣ ) . فَالْجُزْءُ الأَوَّلُ يَهَدِّدُ بِقَضَاءٍ مَخِيفٍ يَحِلُّ بِالْأُمَّةِ ( عد ١-١٢ ) . وَيُكَرِّرُ الْجُزْءُ الأَخِيرُ التَّهْدِيدَ نَفْسَهُ ( عد ١٦-٢٢ ) . وَهَذِهِ الإِعْلَانَاتُ الرَّهِيبَةُ إِنَّمَا تُقَرِّرُ فِكْرَ إِشَعْيَاءَ الْمِحْوَرِيَّ ، الَّذِي يُمَثِّلُ لُبَّ تَعْلِيمِهِ ، وَهُوَ أَنَّ قَدَاسَةَ اللهِ تَكْرَهُ الإِثْمَ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَهَادِنَهُ ، وَلابُدَّ أَنَّهَا ، فِي سَاعَةِ الصِّفْرِ ، تَحْضُرُ كُلَّ أَعْمَالِ الإِنْسَانِ إِلَى الدَّيْنُونَةِ الْعَادِلَةِ . وَفِي هَذَا يَتَزَكَّى عَدْلُ اللهِ وَبِرُّهُ ، وَفَوْقَ الْكُلِّ قَدَاسَتُهُ .

قَضَاءٌ مَخِيفٌ عد ١ - ١٢

تُصَوِّرُ هَذِهِ الأَعْدَادُ الْخَرَابَ الشَّامِلَ الَّذِي سَيَحِلُّ بِالأَرْضِ ( عد ١ ، ٣ ، ٦ ، ١٠ ، ١٢ ) ، وَبِسُكَّانِهَا ( عد ٢ ، ٦ ) وَبِزَرْعِهَا وَثِمَارِهَا ( عد ٧ ) . فَالرَّبُّ سَيُخْلِيهَا وَيُفْرِغُهَا ، فَتَخْرَبُ خَرَاباً كَامِلاً ، حَتَّى لَتَبْدُوَ وَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى حَالَتِهَا الأُولَى " خَرِبَةً وَخَالِيَةً تك ١ : ٢ " ، الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدُهُ الْقَادِرَةُ ، فَتَعْمُرَهَا وَتُجَمِّلَهَا وَتُزَيِّنَهَا ، وَيَنْطَبِقُ عَلَيْهَا مَا تَنَبَّأَ بِهِ نَاحُومُ النَّبِيُّ عَلَى نِينَوَى " فَرَاغٌ وَخَلاءٌ وَخَرَابٌ نا ٢ : ١٠ " . فَقَدْ صَارَتْ كَوْعَاءَ قَذِرٍ ، لابُدَّ لِتَنْظِيفِهِ مِنْ أَنْ يُقْلَبَ " مُنْقَلِباً مُنْقَلِباً أَجْعَلُهُ حز ٢١ : ٢٧ " ، وَيُفْرَغُ قَذَرُهُ ، وَيُغْسَلُ بِمَاءٍ مُتَدَفِّقٍ. عَلَى مِثَالِ مَا حَدَثَ أَيَّامَ نُوحٍ . ( قَارِنْ أَيْضاً رؤ ١٦ ) .

وَكَمَا أَنَّ " الأَرْضَ " هُنَا تُشِيرُ إِلَى كُلِّ الْعَالَمِ ، فَهِيَ أَيْضاً تُشِيرُ إِلَى جُزْءٍ مِنْهُ ، أَوْ مِنْطَقَةٍ مَا ، أَوْ مَمْلَكَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، أَوْ مَجْمُوعَةِ مَمَالِكَ . وَتَجِيءُ أَرْضُ إِسْرَائِيلَ عَلَى رَأْسِ الْقَائِمَةِ . فَهِيَ مُصَغَّرٌ لِلأَرْضِ كُلِّهَا . كَانَتْ وَعْداً لِشِفَاءِ أَرْضِنَا يَوْمَ شُفِيَتْ مِن لَوْثَةِ الْوَثَنِيَّةِ وَأَخْلاقِيَّاتِهَا ، وَكَانَتْ مِثَالاً لِلْكَنِيسَةِ الْجَامِعَةِ يَوْمَ

١