صفحة 102
www.christianlib.com
الإصحاح الخامس والثلاثون
١- تفرح البرية والأرض اليابسة ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس .
إن هذا الإصحاح بمثابة انفلات من الغضب إلى رحابة الرضا ، وهو أشبه بلحظة انطلاق الطائر الأسير من محبسه ، حين تتسع أمامه آفاق الدنيا ، فيضرب بجناحيه في الفضاء اللانهائى ، وكأنه يرى جماله لأول مرة ، ويغسل عينيه في صوره الباهرة . ويتنفس ملء صدره هواء منعشاً ، كأنه يستنشقه أيضاً لأول مرة . لقد انتهى الكابوس وحان وقت الزقزقة والتغريد .
إن نقطة التحول هى حين " يرون مجد الرب بهاء إلهنا عد ٢ " . فحينما يسفر الوجه الإلهى " يبتهج القفر ويزهر النرجس " ، كما " يهرب الحزن والتنهد عد ١٠ ، إش ٥١ : ١١ " . وتختفى أسبابهما . لهذا كان داود النبي يلح في صلواته لله قائلا : " لا تحجب وجهك عنى مز ١٤٣ : ٧ " ، حتى لا يشبه " الهابطين في الجب " ، ويكون " مأكلة وتصيبه شرور كثيرة وشدائد تث ٣١ : ١٧ " . فالحضور الإلهى هو نبع الفرح الأبدى ، والنضرة الدائمة ، والجمال الخالد . وقد تحقق ، في أوجه ، في " عمانوئيل " ورأينا مجده ( يو ١ : ١٤ ) ، وصار للبشرية فيه خلاص أبدي .
إنه إذا " غضب " وغاب ( ص ٣٤ ) ، تقفر الأرض ، وتصير أنهارها زفتاً ، وترابها كبريتاً ، تسكنها الوحوش المفترسة ، والطيور الجارحة ، ويختفى تماماً الجمال والرونق . ويصبح الإنسان نفسه فريسة للخطر والضرر . وهذا كله يحل أيضاً بالنفس حين " يفارقها " الله . ويقدم الكتاب المقدس شاول الملك مثلا لإنسان فارقه الرب . فقد انقسمت مملكته ، وأحدق بها الأعداء من كل جانب . وتبلبلت نفسه وتوزعت فرقاً ، يطارده خوف مبهم ، حتى انتهى به الأمر إلى قتل نفسه ، حين سقط بإرادته على سيفه ( ١صم ٢٨ : ١٥-٢٠ ، ٣١ : ٤-٦ ) .
وكما تداخلت صور القضاء في نبوات الإصحاح السابق ، تتداخل دوائر النعمة في هذا الإصحاح / القصيدة الرائعة ، ذات النغم " الإنجيلي " ، الذى تميزت به نبوات النبي الجليل . فهى وإن انتقلت بيهوذا من حالة الحصار والدمار ، التي واكبت غزوة سنحاريب ، إلى حالة الفرح بانكساره ، والازدهار الروحي في مملكة حزقيا الملك الصالح ، فهى تشير أيضاً إلى ارتواء النفس وبهجتها ، حين تتحرر من حصار الشر وقبضة الخطية ، وتصبح هيكلا لله وحضوره الدائم .
١٠٢