صفحة 130
www.christianlib.com
فرجعت الشمس عشر درجات في الدرجات التي نزلتها.
رآها في دمشق ، مع تغلث فلاسر الملك الأشورى (١) ، حين خرج للقائه هناك ( أنظر ٢ مل ١٦ : ١٠ ) . وكانت مدرجة كهرم مدرج ، وفى أعلاها عمود أو شاخص ، يحدد ظله الوقت .
ويبدو أن زيارة إشعياء للملك كانت بعد الظهر ، أى فى الوقت الذى ينزل فيه الظل على الدرجات الشرقية للمزولة . وكان الملك ، وهو على فراشه ، يستطيع أن يرى من نافذته ساحة القصر حيث تقوم المزولة ، ويرى أيضا حركات الظل . وكانت العلامة أن يرتد الظل ويصعد الدرجات التي نزلها . وهذا ما حدث ، ورآه حزقيا بعينيه . وهى دون ريب عملية إلهية بحتة . فالظواهر الفلكية تخضع لناموس طبيعى وضعته السماء لها ، ويسير بدقة وإحكام ، من أجل انضباط الكون ، ولخير الإنسان أيضا . والشمس مركز المجموعة الشمسية ، ومصدر الحياة الطبيعية فيها ، وأساس قياس الزمن . ووردت إشارات كثيرة عنها فى الكتاب المقدس ، كعلامات لمعجزة ( يش ١٠ : ١٢ ) ، أو أحداث استثنائية ( لو ٢٣ : ٤٥ ) ، أو علامات لأزمنة ( مت ٢٤ : ٢٩ ، لو ٢١ : ٢٥ ) . ولعل كسوفها له صلة بالعلامة (٢) التي أعطيت لحزقيا .
ويرسم هذا الحدث صورة رمزية معبرة . فالظل المعتم كان يتقدم صوب الملك ، وهو طريح على فراش المرض ، بل فراش النهاية ، كأنه أصبع الموت يؤكد له أن الأجل قد دنا ، ولا مفر . وفى لحظة تراجع الظل ، وانقشعت عتمته وعادت خيوط الشمس الذهبية تواجه الملك ، تحمل إليه بشرى عودة شمس حياته إلى الإشراق (٣) . وعمرنا كالظل يسرع نحو المغيب ، تتسارع خطواته مع اليأس واهتزاز الإيمان ، وتتباطأ مع الأمل والرجاء ، ويأخذ ألواناً قوس قزحية حين تنهمر عليه زخات من الرحمة الإلهية ، وتكون لهفة النفس سباقا لصنع الخير والحق ، ونشر الحب ، " لينشئ لها ثقل مجد أبدى " .
(١) قال هيرودوت إن البابليين هم الذين اخترعوا المزولة ، وأخذها الأشوريون عنهم . والواقع إن المصريين القدماء سبقوهم جميعا .
(٢) يفسر البعض هذه العلامة بالظاهرة الطبيعية المعروفة بانكسار الأشعة ، الذى ينتج عن اضطراب في طبقات الجو ، فتنحرف أشعة الشمس عن اتجاهها إلى اتجاه زاوى angular ، أى بزاوية معينة . ويقولون إنها ظاهرة معروفة . وقد سجل رئيس أحد الأديرة ، فى متز بألمانيا ، ارتداد الظل على مزولة الدير مدة ساعة ونصف ، فى يوم ٢٧ مارس ١٧٠٣ م ، نتيجة لانكسار أشعة الشمس فى طبقات الجو العليا .
(٣) يقول القديس أغسطينوس إن إضافة الخمس عشرة سنة كان الله يعرفها قبل تأسيس العالم ، محتفظا بها في إرادته . وما فعله من إضافة حقق ما فى خطة الله ، إذ كان يعلم ما سيفعله حزقيا وما سيهبه إياه .
١٣٠