انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

www.christianlib.com

الإصحاح الأربعون (١)

١ - عزوا

لا يعنى تعبير " الكتاب الثانى " لإشعياء سفرا منفصلا . فسفره واحد ، كتاب متصل ، كما سبق توضيحه فى مقدمة السفر (٢) . ولكنه يشير إلى أفق جديد من تحليقات النبى ، المفتوح العينين ، فى الزمن القادم . وهو وإن ارتبط بوشائج العاطفة بشعبه وتاريخه وأورشليمه ، فقد ارتبط نبويا بالبشرية كلها ، وبمستقبلها الروحى . فكان نبويا فى عاطفته ، كما كان عاطفيا فى نبوته ، بمعنى أنه لم يفقد دفق المشاعر ودفئها نحو البشرية على اتساعها ، وهو يقرأ على مسامعها ما هو مختزن لها فى رحم التاريخ .

ويمكن القول إن النبى عانى صدمتين شخصيتين ، الأولى حين مات عزيا الملك ، والثانية حين " سقط " حزقيا ، لأنه كان يعلق على كل منهما آمالا عريضة لوطنه الصغير ، وخاصة ازدهاره الأدبى كنموذج للعالم ، وللفكر الوحدانية ، ولتحرر الإنسانية وانطلاقاتها المشرقة ، فى أجواء الفضيلة والقيم النبيلة ، القائمة على الحق والعدل والخير .

لقد بهره ما استهل به حزقيا عهده من نهضة دينية ، ومحاولات صادقة لإصلاح شئون مجتمعه ، وترميم أخلاقيات أمته . كما بهره صموده الروحى أمام آشور ، ورحلاته إلى بيت الله ، خلال الأزمة ، تأكيدا واقتناعا منه بأنه هنا - فى حضرة الله - يتقرر التاريخ ، ويتبلور النظام الذى يسوس العالم . وفرح له ومعه حين زيد عمره ليواصل مهمته .

ولكن الملك ، وهو فى أوج القمة التى تسنمها بتقواه واتضاعه ، اختل توازنه ، وبدا وكأنه فنان لم تعجبه الخطوط التى رسمها ، فأخذ يمحوها . وقد ظهر هذا فى استقباله لوفد ملك بابل . فهو لم يخف انبهاره بالبابليين . ولم يقاوم ما أخذ يتجمع فى صدره من صور الغرور والثقة بالذات . واستسلم للعبة السياسة حين أغرته على التفكير فى تحالفات سياسية وعسكرية ، فيها وأد للإيمان بالله ، ومحاولات لإبعاده عن الحلبة . فكان هذا منه بمثابة انتكاسة نحو التعلق بالقوى المنظورة ، الذى هو نوع من " طفح " الوثنية التى أمسكت بتلابيب شعبه .


(١) يغطى هذا الفصل دراسة الإصحاحات ٤١ - ٤٨ إلى جانب الإصحاح ٤٠ بصورة مركزة .

(٢) موجودة بالجزء الأول من التفسير ( صفحة ١٩ - ٢٤ ) .

۱۳۹