صفحة 140
www.christianlib.com
وعندئذ تأكد للنَّبِيِّ ، ما كان واضحا لذهنه النَّبَوِيِّ ، من إفلاس الناموس الموسوى ، وعجز إسرائيل عن تحقيق إرساليته فى العالم " كَخَمِيرَةٍ لِلْبِرِّ " ، فَتَمَّمَ به بركة إبراهيم كافة أمم العالم تحت قيادة الناموس ، أو بتأديباته ، أو عن طريق الإصلاح التدريجي . فالطبيعة الخبيثة للْخَطِيَّةِ وتراكماتها جعلتها حِمْلاً ضاغطا لا فكاك منه . فاليهود أنفسهم ، الذين أخرجهم الرَّبُّ بذراع قوية من مصر ، أظهروا طوال تسعة قرون من قيام كيانهم القومى ضَعْفًا شديدا نحو خَطِيَّةِ عبادة الأوثان . بل إنهم بعد خروجهم مباشرة ، وصدى رعود الناموس مازال يتردد فى أذهانهم ، سارعوا إلى الوثن ، وبعد حوالى أربعين سنة فى البرية ، وكانت بمثابة مدرسة لهم ، يتأهلون فيها لدخول أرض الموعد ، استجابوا لِغَوَايَةِ الأوثان ، وظلوا بعد استقرارهم وكأن سيطرتها عليهم لا فكاك منها ، بِالرَّغْمِ من استمرار التنديد بها ، والتبكيت والإنذارات بسببها . وبدت فى قمة سطوتها عَشِيَّةَ السَّبْيِ الرهيب ( إر ٣٢ : ٢٦ - ٣٥ ، ٤٤ : ١ - ١٠ ، حز ٨ : ٥ - ١٦ ) .
ولم يتوان النَّبِيُّ عن الإشارة إليها ، والتنديد بها فى الإصحاحات ٤٠ - ٤٨ مؤكدا ، ضمنا ، أنها عِلَّةُ سقوط إسرائيل وإفلاسه الروحى ( إش ٤٢ : ٢٤ ، ٢٥ ) . وهى التى انتهت به إلى السبى ، ومضت معه إليه " وهى نفسها قد مضت فى السبى ٤٦ : ٢ " :
الصَّنَمُ يسبكه الصانع والصائغ يُغَشِّيهِ بذهب ويصوغ سلاسل فِضَّةٍ (١) .
الذين يفرغون الذَّهَبَ من الكيس وَالْفِضَّةَ بالميزان يزنون
يستأجرون صانعا ليصنعها إِلَهًا يخرون ويسجدون
يرفعونه عَلَى الكتف . يحملونه ويضعونه فى مكانه ليقف
من موضعه لا يبرح (٢) .
الفقير عن التَّقْدِمَةِ ينتخب خَشَبًا لا يسوس
يطلب له صانعا ماهرا لينصب صَنَمًا لا يتزعزع (٣)
نجر خَشَبًا . مد الخيط . بِالْمِخْرَزِ يعلمه
يصنعه بِالأَزَامِيلِ وبالدوارة يرسمه .
فيصنعه كَشِبْهِ رجل كجمال إنسان ليسكن فى البيت .
قد صنع صَنَمًا وَخَرَّ له .
يخر له ويسجد ويصلى إليه ويقول نَجِّنِي لأَنَّكَ أنت إلهى (٤)
وَيُنَدِّدُ النَّبِيُّ بتفكير شعبه الْوَثَنِيِّ السقيم . ويسخف توقعاته من منحوتاته ، فاضحا عَجْزَهَا وهوان شأنها :
لا يعرفون ولا يفهمون لأَنَّهُ قد طُمِسَتْ عيونهم عن الإبصار
(١) إش ٤٠ : ١٩ (٢) ٤٦ : ٦ ، ٧ (٣) ٤٠ : ٢٠ (٤) ٤٤ : ١٣ ، ١٥ ، ١٧
١٤٠