انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

www.christianlib.com

٢١- لأَنَّهُ كَمَا فِي الْوِعَاءِ عِنْدَ جِبْعُونَ يَسْخَطُ لِيَفْعَلَ فِعْلَهُ الْغَرِيبَ وَلِيَعْمَلَ عَمَلَهُ الْغَرِيبَ. ٢٢- فَالآنَ لاَ تَكُونُوا مُتَهَكِّمِينَ لِئَلاَّ تُشَدَّدَ رُبُطُكُمْ لأَنِّي سَمِعْتُ فَنَاءً قُضِيَ بِهِ مِنْ قِبَلِ السَّيِّدِ رَبِّ الْجُنُودِ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. ٢٣- اصْغَوْا وَاسْمَعُوا صَوْتِي انْصِتُوا وَاسْمَعُوا قَوْلِي.

إِنَّ مَا يَحْتَاجُهُ الْعَالَمُ لإِصْلاَحِ شُئُونِهِ هُوَ مِلْحُ النِّعْمَةِ الإِلَهِيَّةِ . فَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ " هِيَ مِنْ فَوْقُ نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ يع ١ : ١٧ " . وَكُلُّ حِكْمَةٍ مُسْتَنِيرَةٍ هِيَ مِنَ اللَّهِ " الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ يع ١ : ٥ " .

وَالنَّصْرُ الْعَزِيزُ أَيْضًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَهُنَا يَذْكُرُ النَّبِيُّ شَعْبَهُ بِأَحْدَاثٍ تَارِيخِيَّةٍ أَظْهَرَ فِيهَا اللَّهُ قُوَّتَهُ بِصُورَةٍ مُكْتَسِحَةٍ وَفُجَائِيَّةٍ . فَيُشِيرُ إِلَى دَاوُدَ حِينَ ضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ عِنْدَ بَعْلِ فَرَاصِيمَ (١) ، بَعْدَ مَا وَعَدَهُ الرَّبُّ أَنْ يَدْفَعَ بِهِمْ لِيَدِهِ ، فَهَتَفَ " قَدِ اقْتَحَمَ اللَّهُ أَعْدَائِي بِيَدِي كَاقْتِحَامِ الْمِيَاهِ ( ١ أى ١٤ : ١١ ) . كَمَا يُشِيرُ إِلَى يَشُوعَ حِينَ ضَرَبَ الأَمُورِيِّينَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً فِي جِبْعُونَ ؛ بَعْدَ مَا " أَزْعَجَهُمُ الرَّبُّ أَمَامَ إِسْرَائِيلَ يش ١٠ : ١٠ " .

وَهَذِهِ الضَّرَبَاتُ كَانَتْ ضِدَّ أَعْدَاءِ إِسْرَائِيلَ ، حِينَ اعْتَادَ الرَّبُّ أَنْ يُحَارِبَ مَعَ شَعْبِهِ وَعَنْهُ . أَمَّا الآنَ فَيُؤَكِّدُ النَّبِيُّ أَنَّ الْوَضْعَ قَدْ تَغَيَّرَ . فَالرَّبُّ " يَقُومُ " وَيَعْمَلُ ضِدَّ شَعْبِهِ ، كَأَنَّهُ غَرِيبٌ عَنْهُ ، أَوْ كَأَنَّهُ مِنَ الأَعْدَاءِ . وَهُوَ أَمْرٌ جِدُّ غَرِيبٍ وَلَكِنَّ الشَّعْبَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي فَرَضَ هَذَا الْوَضْعَ الْمَأْسَاوِيَّ حِينَ صَارَ كَالْفِلِسْطِينِيِّينَ أَعْدَاءَ الأَمْسِ . فَالْفِلِسْطِينِيُّونَ ، مَثَلاً ، حِينَ سَمِعُوا أَنَّ دَاوُدَ مُسِحَ مَلِكًا لإِسْرَائِيلَ ( ١ أى ١٤ : ٨ ) ، خَرَجُوا لِمُهَاجَمَتِهِ ، بِقَصْدِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ . وَفِي الْجَانِبِ الْمُقَابِلِ ، حِينَ أَعْلَنَ إِشَعْيَاءُ مَمْلَكَةَ عِمَّانُوئِيلَ ، رَفَضَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِمْ . فَإِذَا كَانَ الإِسْرَائِيلِيُّونَ يَسْلُكُونَ طَرِيقَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْمُعَوَّجَ ، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُونَ أَنْ بِإِمْكَانِهِمُ الإِفْلاَتَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ ؟! وَلِهَذَا يُحَذِّرُهُمْ إِشَعْيَاءُ مِنَ الاسْتِمْرَارِ فِي سُخْرِيَتِهِمْ وَهَزْئِهِمْ ، " فَالآنَ لاَ تَكُونُوا مُتَهَكِّمِينَ ع ٢٢ " ، حَتَّى لاَ " تُشَدَّدَ رُبُطُكُمْ " الَّتِي رَبَطُوا بِهَا إِلَى خَطَايَاهُمْ " كَأَنَّهُ بِرُبُطِ الْعَجَلَةِ إش ٥ : ١٨ " ، فَيَكُونَ لَهُمْ مَا هُوَ أَشَرُّ . أَوْ لَعَلَّهَا الرُّبُطُ الَّتِي لِلسَّيِّدِ وَلِمَسِيحِهِ ( مز ٢ : ٣ ) ، وَالَّتِي هِيَ خَفِيفَةٌ وَهَيِّنَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَّقِينَ ( مت ١١ : ٣٠ ) ، وَلَكِنَّهَا قَادِرَةٌ لأَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى قُيُودٍ ثَقِيلَةٍ ، وَقَاتِلَةٍ ، إِذَا مَا حَاوَلُوا قَطْعَهَا مُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهَا .

فلاحة الله عد ٢٣ - ٢٩

لَمْ يَتَوَقَّفِ النَّبِيُّ عَنْ تَنْبِيهِ شَعْبِهِ وَتَحْذِيرِهِ ، فَهَذِهِ هِيَ مَهَمَّةُ النَّبِيِّ وَالْمُعَلِّمِ . وَيَبْدُو أَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ . أَوِ الْمُفْتَرَضُ أَلاَّ يَيْأَسَ ، لأَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِنُفُوسٍ بَشَرِيَّةٍ هِيَ عَزِيزَةٌ عِنْدَ اللَّهِ . فَبَعْدَ مَا نَصَحَهُمْ أَلاَّ يُوَاصِلُوا تَهَكُّمَهُمْ ، وَحَذَّرَهُمْ مِمَّا هُوَ

(١) مكان فى وادى الرفائيين قرب وادى جبعون (٢صم ٥ : ٢٠) . وهو إسم كنعانى بمعنى الانفجارات .

٤٢