صفحة 83
www.christianlib.com
الإصحاح الثالث والثلاثون
١ - ويل لك أيها المخرب وأنت لم تخرب وأيها الناهب ولم ينهبوك.
عد ١
يعود النبى إلى الواقع المحلى ، وإلى شعبه الذى تحاصره المآزق التاريخية ، بعد ما انطلق ، فى نبواته ، عبر الزمان إلى يوم ينسكب فيه الروح القدس من الأعالى ، لينبت شعبا جديدا ، وعهدا جديدا ، وفجرا للبر والخلاص ( ص ٣٢ ) .
إن شعبه لم يعد ذلك القطيع الواعد ، الذى أخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم ( عد ٢٣ : ١ ) ، ليكون بذرة للحرية ، وسراجا للوحدانية . لقد أصيب " بلوكيميا " الدم الخبيثة التى لا برء منها . وتآكل دوره فى تحقيق المقاصد الإلهية . وكان عليه أن يترك مكانه لآخر ، مثلما تنبأ المرنم عن " يهوذا الأسخريوطى " وليأخذ وظيفته آخر أع ١ : ٢٠ " .
صحيح أن النبى هنا يصب الويل على المخرب - أشور . ولكن ما الذى أتى به إلى المنطقة ، كقضيب غضب للتأديب والتعذيب ؟ إن الناموس الإلهى ، فى الطبيعة ، يعمل بدقة فى كوكبنا . فالرياح تندفع من مناطق الضغط المرتفع ، إلى مناطق الضغط المنخفض ، حيث يتخلخل الهواء . ولا شئ يخلخل جو مجتمع ما مثل الفساد والظلم . إذ يصاب بالهشاشة ، وتنحط قيمه إلى الحضيض ، مما يؤدى إلى اندفاع القوى المتغطرسة نحوه كالإعصار المدمر ، فيهز أركانه ويقلبه تقليبا . والإعصار بدوره ، كأى إعصار ، يبدأ لينتهى ، إذ تتبدد طاقته فى رحلة الغزو والاغتصاب ، ليتحول إلى هواء راكد ، لا يحرك ساكنا ، ينتظر إعصارا آخر من نوعه ، ليذريه فى الأركان الأربعة . إن القضاء قائم ومعلن ، كالإعصار ، والإنسان يجذبه إليه حين تستحيل توبته وعودته إلى الرشاد .
والنبى يخاطب أشور ، ومن ورائه بابل ، وكل طاغية مستبد يسقط الله من حسابه - يخاطبهم بلغة الحلقة المفرغة ، التى تتمثل فى متواليات من الشر والظلم والتخريب . فكما خرب أشور ونهب ، سيأتى دوره " حين تنتهى من التخريب تخرب وحين تفرغ من النهب ينهبوك عد ١ " . وهكذا يصنع التاريخ نفسه ، ويصف مجلداته ، التى قلما يقرأها البشر ، أو يتفهمونها ، ليتجنبوا المآسى الدامية ، والنهايات المفجعة . وتهمة أشور ليست التخريب وحسب ، بل باعتباره البادئ به ، ودون استفزاز من ضحيته . فهو الذى بدأ بالعدوان واللصوصية والسلب " الناهب ولم ينهبوك" ، إشباعا لشهوة الاستحواذ والتملك ،
٨٣