صفحة 58
يقصد أن أفضل الأنبياء لا يمكن أن يكون بينه وبين ( ابن ) وجه مقارنة كواسطة للإعلان . بالطبع فكرة مجيء ابن الله إلى الناس عثرة للكثيرين ولكن الكاتب لا يدافع عن هذه العبارة التي يستخدمها . فهو لا يرى حاجة لأن يفعل هذا ، بالرغم من أن معاصريه ربما كانوا غير معتادين على هذه الفكرة كما هو الحال الآن ، لقد فكر الوثنيون أحياناً في أولاد الآلهة . ولكن هذه فكرة مختلفة تماماً عن يسوع كابن لله . ولابد أن كاتبنا افترض أن قراءه لابد أقروا بهذا بدون أي تساؤل . ولكنه لم يقل من البدء إنه يفكر في يسوع . بل جاء ذلك فيما بعد في ٢ : ٩ .
وهنا تواجهنا مشكلة لغوية ، إذ يمكن أن يأتى التساؤل : إلى أي مدى نستطيع أن نستسيغ معنى فكرة الأبوة والبنوة بالنسبة لله مهما كانت ذات قيمة عظمى في الأمور البشرية ؟ ولكن في محاولة صياغة الحق الإلهى في لغة بشرية ، يكون أحسن ما يمكن عمله هو استخدام ما يقرب الحق الإلهى أقصى التقريب . وطالما كان هذا في حسباننا ، تصير الفكرة ذات معنى عظيم . إن جوهر الإعلان المسيحى هو أن أحسن طريقة لرؤية الله هى عن طريق ابنه . ولاشك أن المماثلة البشرية ناقصة لأنه لا يوجد ابن بشرى يشبه أباه شبهاً تاماً كما لو كان صورة تنعكس من مرآة . أما يسوع المسيح فيظهر تماماً كل ما يمكن أن يُعرف عن الآب . فلا عجب إن كان الكاتب قد أخذ بعظمة هذا النوع من الإعلان إذا قورن بالوسائل المستخدمة قديماً . وهو يعرف أنه إن لم يكن للبشر أن يتعلموا عن الله عن طريق الابن ، فلا يمكن أن يحملهم على الاقتناع أى قدر من أصوات الأنبياء أو أفعالهم .
وقبل أن يحقق هوية الابن على أنه يسوع المسيح ، قَدَّم وصفاً للابن – وصفاً متعمقاً ، حيث أنه يخبرنا عن كنه الابن وليس عن مظهره ويريدنا الكاتب أن نعرف قبل كل شيء عن علاقة الابن بعالم الطبيعة . وهذه بداية معقولة يبدأ بها ، لأن عالم الطبيعة هو بيتنا وبيئتنا ، ويصدق هذا بالنسبة للبعض إلى الدرجة التي يشعرون معها بأنه يغلفهم بحيث لا يستطيعون أن يتصوروا عالماً آخر يمكن أن يكون ذا تأثير أقوى منه . وتتفق فكرة الكاتب هذه عن العالم مع كل ما جاء في العهد الجديد – الفكرة التي تبدأ بالتعليم عن الله كخالق وتَمضى لتبين أن يسوع المسيح له ارتباط وطيد به في عملية الخلق بحيث أُوجد للكون المجهول شخصيته ويعلن الكاتب أن الله جعل ابنه – عمل مبادأة ( لاحظ الفعل الماضى في اليونانية الذي يفيد عدم التقيد بالزمن ) . والحقيقة الهامة في هذا الفصل هي أن كل شيء يرجع إلى الله .
٥٨