صفحة 127
www.christianlib.com
بشرية. والمقطع كله يدور حول هذا الاسم، وعلى معرفة هذا الاسم (يسوع المسيح). من هذا القبيل نحن أمام نظرة مكثّفة للمسيحية البولسية. ولكن أي معرفة يعني؟ لا المعرفة الصوفية المستيكية، ولا الإطار القانوني لهذه المعرفة. بل نحن أبعد من هذا المستوى وذاك. نحن أمام اتحاد من نوع خاص. ويلفت انتباهنا الماضي والحاضر والمستقبل في هذا المقطع. فمعرفة المسيح تجرّ وراءها موقفاً خاصاً تجاه الماضي وقيمه. وتتضمّن انشداداً نحو مستقبل قد حصلنا عليه ولكنه لم يتمّ بعد، ولكنه سوف يأتي.
وفي هذه الجدلية بين الماضي والمستقبل، يُعاش الحاضر فيولّد مواقف ملموسة تضمّ وتتجاوز المستوى الصوفي والقانوني، مستوى الإيمان. وما هو الإيمان سوى رفض لكل اطمئنان خاص لكي نستند كلياً إلى نعمة الله. سوى انتظار في الألم والصبر للمجد الآتي. إذن، الإيمان هو امتداد في حياة المؤمن كحدث الصليب والقيامة. فقوة الحياة التي تعود إلى حياة الله تنبع من الشقاء والألم عبر كل رجاء بشري. تترجّى حيث لم يعد من رجاء على مستوى البشر.
ثانياً: الربح والخسارة (آ ۷ - ۸)
إن تحرّك الرسول بالنسبة إلى القيم التي ذكرها الآن، تستعيد تحرّك «الابن» في النشيد الكرستولوجي (٢: ٦). حينذاك يجب أن نفهم «من أجل المسيح» (آ٧) بسبب ما قاله وحقّقه المسيح. بسبب ما حدث على الصليب الذي يتواصل عمله فينا (١ كور ٤: ١٠؛ ٢ كور ٤: ٥). ولكن النقيضة «ربح - خسارة» كانت معروفة في العالم اليهودي.
تجذّر حكم بولس على القيم «اللحميّة»، البشرية، في الماضي، وهو يتجدّد كل يوم. لهذا كان اهتمام بولس تحريضياً (هو يحض المؤمنين)، لا سيروياً (أي: يروي سيرة حياته). هو لا يعود إلى ذاته في ميل نرجسي وولَه بالذات، بل يقوم بعمل تربوي. لهذا حين يتكلم الرسول عن ارتداده، فهو يشدّد على نعمة الله. أما هنا فيُبرز قرار الإنسان وحكمه، وهكذا يدلّ على أن نعمة الله لا تلغي ملكات الإنسان، بل تثيرها وتعيد خلقها في الحرية.
۱۲۷