صفحة 134
www.christianlib.com
فإذا كان بولس قد شدَّد في فل ٣: ١٥ على كمال المسيحيّين على هذه الأرض، فلأن «الدُّعاة» في فيلبّي كانوا يعتدُّون بهذا الكمال عينه. هم من الكاملين، وأنتم من الكاملين أيضاً. هذا ما قاله بولس مشدِّداً على أن هناك كمالاً وكمالاً. خطأهم هو أنهم يتحدَّثون عن وسائل لبلوغ هذا الكمال، وهي وسائل يراها بولس غير نافعة إن لم تكن ضارَّة ومسيئة إلى المؤمنين. ولكن تبقى مسافة يجب السير فيها. يبقى علينا أن نسير في الأمانة للإنجيل الواحد الذي يبشِّر به بولس (١٦).
ب ـ اقتدوا بي
غير أن بولس لا يكتفي بأن يعظ ويتكلَّم. إنه يقدِّم نفسه نموذجاً ومثالاً: «إقتدوا بي جميعاً أيها الأخوة، وتبصروا في الذين يسلكون على المثال الذي لكم فينا» (١٧). هذا المقطع ليس الوحيد الذي فيه قدَّم الرسول نفسه مثالاً يُحتذى به لدى قرَّائه. نقرأ في ١ تس ١: ٦: «وأنتم انفسكم اقتديتم بنا». وفي ٢ تس ٣: ٧ ـ ٩: «وأنتم تعلمون كيف ينبغي أن تقتدوا بنا... نجعل لكم من أنفسنا مثالاً تقتدون به». وفي غل ٤: ١٢: «فأسألكم أيها الأخوة أن تكونوا مثلي». وفي ١ كور ٤: ١٦: «فأطلب إليكم إذن، أن تكونوا بي مقتدين». وفي ١١: ١: «إقتدوا بي كما أني أنا أقتدي بالمسيح».
نحن هنا دوماً أمام جماعات أسَّسها بولس، فكان له معها علاقات حميمة جداً. غير أن وضعه ليس وضع الفلاسفة الأقدمين الذين يحيط بهم جمع من التلاميذ تكوَّنوا على صورتهم. فكلمة «تلميذ» غائبة كلياً من رسائل بولس. ولكننا نجد لفظة «أب». فالأب الذي ولد أبناءه إلى الحياة الجديدة في المسيح (١ كور ٤: ١٥)، يقدِّم نفسه بشكل طبيعي كنموذج لأولاده.
ولكنه مثال يُلزمهم ويفرض عليهم أعمالاً صعبة. فإن أخذوا بنظرات بولس الأساسية وبالنتائج التي تصدر عنها، سيفهمون أن هذا يكلِّفهم غالياً: فالمحنة تبدو هنا شرطاً من شروط الأمانة. وكما كانت كنائس اليهوديَّة جديرة بأن يُقتدى بها (١ تس ٢: ١٤)، كذلك بولس. فهو في سجنه يعيش هذه المحنة
١٣٤