انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

www.christianlib.com

فالفرح يسيطر هنا. وينبوع هذا الفرح وعلَّة وجوده هو الربّ. وهو يُختبر في الكنيسة ولا ينفصل عن علاقات المحبّة القائمة بين أعضائها. هذا الفرح يفترق عن فرح «طبيعي» و «طوعي». إنه كالحبّ الذي يتفرّع عنه. ولهذا يمكن أن يكون موضوع وصيّة سوف يكرّرها بولس. «وبعد أيها الإخوة إفرحوا في الربّ» (٣: ١ أ). «إفرحوا في الربّ على الدوام، وأقول أيضاً إفرحوا» (٤: ٤). «وبعد أيها الأخوة، كونوا فرحين» (٢ كور ١٣: ١١).

يعذّر بولس مراسليه، وإن كنا لا نعرف الظروف التي جعلتهم يتأخّرون في مدّ يد المعونة له. ما يهمّه بالأحرى هو أن لا يظنّوا أنه يطلب العطايا بفعل الحاجة. فمهمّته كرسول علّمته أن يكون حرّاً تجاه كل عون بشريّ. لم يعرف فقط أن يعيش في الفقر، بل (وهذا أصعب) أن يستغني عن إرضاء حاجاته تجاه الجوع أو العري. قال في ١ كور ٤: ١١: «ونحن حتى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونلطم». وفي ٢ كور ٦: ٤ ي: «بل في كل شيء نظهر أنفسنا خدّاماً لله. بالصبر الكثير في المضايق والشدائد والمشقّات، تحت الضرب وفي السجون والاضطرابات والأتعاب والأسهار والأصوام». وفي ١١: ٢٣ - ٢٤: «في الأتعاب أكثر، في السجون أكثر... ضربت بالعصي، انكسرت بي السفينة ثلاث مرات...».

نحن هنا أمام الحرية، لا أمام تنسّك وبحث عن إماتة. وفي هذا يشبه بولس بعض الشيء الفلاسفة الرواقيين الذين توخّوا أن يجعلوا نفوسهم في السلام بواسطة اللامبالاة تجاه ظروف الحياة الطبيعية. ولكننا نخطىء إن حصرنا الرسول داخل هذا التيار الفكري. فالاستقلالية التي يطلبها ويطالب بها في كل الظروف، هي في الواقع تبعيّة وارتباط. فبولس، شأنه شأن كل مسيحيّ، لا يرى شكلاً آخر من أشكال الحرّية إلا التعلّق بالمسيح. هو عبد يسوع المسيح. وقيوده (١: ٧، ١٣، ١٧) هي علامة تدلّ على تبعيّته هذه.

غير أن المسيح الذي يهب الرسول نفسه له، بعد أن تحرّر من كل عائق أدبيّ، هو المسيح الذي يبشّر به. والاستقلالية التي نتحدّث عنها هي الفراغ الذي يتيح للمحبّة الرسوليّة أن تجتاح قلب الكارز بالإنجيل، وتجعل الراعي مهتماً

١٥٨