صفحة 159
www.christianlib.com
معتنياً بجماعته. تجعله خادماً للرعيّة كما هو خادم للمسيح. قال في ١ كور ٩: ١٩: «فإذ كنت حراً من الجميع عبدت (جعلت نفسي عبداً) نفسي للجميع لكي أربح الكثيرين».
وهناك عبارة أخرى تبعدنا كل البعد عن حلقات «الفلسفة». بولس هو كلّه في ذاته حين يعلن استقلاليّته. فيقول: أنا كل شيء في ذلك الذي يقوّيني. ونحن نفهم هذا السلطان في سياق النص. لسنا أمام إمكانية تامة بأن نحقق ما نريد، بل بالأحرى أمام سلطان لا حدود له بأن نتحمّل كل شيء. فبولس لا يُقهر أمام المحن والمضايقات، وهو يفتخر بذلك. غير أنه يؤكد حالاً أنه لا يستخرج هذا السلطان من قواه الخاصة. فالمسيح لم يُخفِ عليه شيئاً حين أعلن له: «تكفيك نعمتي» (٢ كور ١٢: ٩). ويقول بولس بشكل مفارقة: «حين أكون ضعيفاً، حينئذ أكون قوياً» (٢ كور ١٢: ١٠ ب). وهذه القوّة التي يفتخر بها بولس بلا تردُّد، هي قوّة قيامة المسيح (فل ٣: ١٠) التي يشارك فيها الإنسان يسوع بالإيمان والمعمودية، ساعة يموت فيه كائن الكبرياء والضعف البشري.
ب - قيمة هدية مالية
بعد أن قال بولس ما قال، لم ينتقد ما فعله الفيليبيّون، بل رأى أنهم أحسنوا. إذن، لسنا أمام موقف متصلّب. وإن رفض بولس أن «يتاجر بكلمة الله» (٢ كور ٢: ١٧)، فهو يعرف أن يقدّر هذه الهديّة قدرها: هي مشاركة صادقة في العمل الرسولي الذي يتمّه الرسول الآن وهو في القيود (١: ٧، ١٢ - ١٤). ويمكن أن تكون هذه المشاركة حاضرة في ظروف أخرى.
هذا ما يدعونا إليه بولس ذاكراً مختلف عطايا الفيليبيّين. فليست هي المرة الأولى التي فيها دلت هذه الجماعة على سخائها. فما إن ترك فيلبّي بعد تأسيس الكنيسة فيها، حتى أرسل إليه أهلها معونة إلى تسالونيكي (رج أع ١٦: ٤ - ١٧: ١). وما يدهشنا هو أن كل هذ السخاء ليس عوناً للرسول بقدر ما هو فائدة «للمسيحيين». ويستعمل بولس لغة التجارة حين يكتب أن ما يطلبه حين
١٥٩