صفحة 162
www.christianlib.com
وهناك اعتراض يجب أن نزيله حالاً (آ ١١). إن بولس لا يتكلّم مدفوعاً بالحاجة. فالرسول عرف في مدرسة الرسالة أن يتعامل مع جميع الظروف ومع جميع الأشخاص. عرف أن يكون مستقلاً لا استقلال الإنسان الذي يكفي نفسه بنفسه، بل الإنسان المستند إلى الله. بما أن الرسول عرف أن لا يرتبط إلا بالله، اقتنى الحرّية الحقيقية.
ج - أعرف أن أعيش (آ ١٢ - ١٤)
ويشرح لنا بولس الآن لماذا لا يمكن للفقر أن يكون الدافع لسلوكه، وكيف تظهر استقلاليته. نجد هنا تعداداً يشبه ما في ١ كور ٤ : ١١؛ ٢ كور ٦ : ٣ - ١٠؛ ١١ : ٢٣ - ٢٤. فما يميّز رسالة بولس مفارقة هي انعكاس للصليب والقيامة: شبع وجوع، وفرة وفقر. وهذا الانحدار يذكّرنا بعمل المسيح المذكور في ٢ : ٨. وهو يعبّر عن وضع مادي كما يعبّر عن موقف داخلي. فالسعة المذكورة هنا مرتين (تذكر بتواتر عند القديس بولس) تُميّز الأزمنة الجديدة التي دشّنها مجيء المسيح (١ : ١٩ - ٢٦). ويأتي الشبع تجاه الجوع والعوز، فيدلّ على الأوضاع المختلفة التي مرّ فيها الرسول والتي هي نتيجة ما أراده هو وما فرض عليه.
وهكذا «تدرّب» بولس، «تدرّج» (ماميمَاي). الفعل المستعمل هنا هو خاص بالديانات السرّانية. هذا لا يعني أن بولس يتحدّث عن هذه الديانات. غير أن الأسرار التي أعطي للمسيحي أن يتدرّج فيها لا تُبنى خارج الواقع اليومي، بل في داخله وبقدر ما تستنير بقدرة الإنجيل. لهذا تأتي عبارة تجعل بولس بعيداً كل البعد عن المثال الرواقي: «أستطيع (أحتمل) كل شيء في ذاك الذي يقوّيني». وفي ٣ : ١٠، أشار الرسول إلى أن القوّة هي قوّة القيامة.
ولكن يجب الوصول إلى المعنى الحقيقي والعميق «للمشاركة» (آ ١٤) التي طلبها الرسول من الفيليبيّين: إنه علامة اتحاد (هذا الاتحاد لا يحمل غايته في نفسه)، علامة أخوّة تعبّر عن نفسها في جهاد من أجل الإنجيل (١ : ١٢ ي). وحين صار الفيليبيّون مشاركين في هذا الجهاد الذي هو الجهاد الأخير المطبوع
١٦٢