صفحة 45
www.christianlib.com
شكر الرسول. ولكن ما يلهم في الأعماق هذا الشكر والرجاء الذي يرافقه هو المحبّة. فبدون المحبّة يبدو كل شيء سريع العطب، يبدو كل شيء سطحياً. ولكن ما يوحّد الرسول وأهل فيلبّي هو حبّ قوي، حبّ روحي، لا حبّ نظري لا يرتبط بواقع الإنسان. حبّ ينظر إلى البعيد ويرفع إلى العلى. فموضوعه ليس أولاً الخيرات المباشرة، الخيرات المحسوسة والعابرة، بل الخيرات الروحيّة والأبديّة. وهذا الحبّ لا يتأسّس على رباطات الجسد، بل على رباطات الروح في الإيمان والمعمودية والعمل المشترك في خدمة الإنجيل.
هو حبّ فاعل، لأن لا شيء يوقفه حتى الخوف من السجن والموت. حبّ مليء بالحنين مع الرغبة لدى الرسول بأن يرى أحبّاءه. محبّة في أحشاء الربّ يسوع، كمحبّة الأم لأبنائها. حبّ بولس للمسيحيّين هو في الوقت عينه حبّ علويّ وفائق الطبيعة، وحبّ بشريّ جداً. من جهة، هو يحبّهم بحبّ المسيح، ومن جهة ثانية، وصلت محبّته لهم إلى مستوى العواطف والإحساس.
ثانياً: أحملكم في قلبي (آ٧)
تبدأ آ٧ مع أداة «كاتوس» (كما) التي نجدها مراراً في مطلع رسائل القديس بولس. نقرأ في ١ كور ١: ٥: «فكما أن لنا نصيباً وافراً من آلام المسيح». وفي كو ١: ٦ - ٧: «وصلت إليكم كما وصلت إلى العالم»؛ رج ١ تس ١: ٥؛ ٢ تس ١: ٣. إن هذه الأداة «كما» لا تتعلّق فقط بما في آ٤ أو آ٦، بل بما في آ٣ - ٦. فما قيل في الآيات السابقة يدلّ على مجموعة من الاستعدادات تبدر من الكاتب إلى مراسليه. وفعل «فرونيو» (افتكر) لا يتوقّف عند عالم العواطف. فهو يعبّر في الوقت عينه عن واقع عميق جداً وعن نتائجه العملية والملموسة. قد نستطيع أن نتحدّث عن «مشروع» نعبّر عنه في عمل محدّد. تتواتر هذه اللفظة في فل (١٥ مرات من أصل ٢٥ نجدها في رسائل بولس)، فتتخذ لوناً خاصاً نجده هنا. إنه موقف مسيحيّ تجاه مسيحيّين، ولكنه لا يستبعد أحداً.
وأساس هذه «الاستعدادات» الواجبة نجده في قلب الرسول، على مستوى الإرادة والعمل أكثر منه على مستوى العاطفة. فانطلاقاً من هذا المركز الحيويّ
٤٩