صفحة 49
www.christianlib.com
أجل، إن المعرفة العقلانية لا تكفي، لهذا نحتاج بالضرورة إلى معرفة عن طريق الخبرة، معرفة عملية، معرفة تقودنا إلى العمل. ولا نستطيع أن نبلغ إلى ذلك إلا بنعمة إلهية، نعمة «محبة الحقيقة» (۲) تس (۱۰:۲)، بنور عطايا الروح القدس. يتحدث اللاهوتيون عن معرفة تتفجر من تحوّل داخلي في النفس التي تصبح شبيهة بالله، عن استنارة القلب بالحبّ. «خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الإنسان الجديد الذي يسير نحو المعرفة الحقة (ايبيغنوسيس) متجدداً على صورة خالقه» (كو ۳: ۹ - ۱۰؛ رج أف ۱: ۱۷ - ۱۸؛ ۳: ١٤ - ١٩).
ثالثاً: الإدراك التام
نجد هنا كلمة «ايستاسيس». لا ترد إلا هنا في العهد الجديد، ولكنها ترد مراراً في العهد القديم. مثلاً، أم ۱: ۷؛ ۲۲؛ ۹: ۹؛ ١٠: ١٤؛ ١٤: ٦؛ ١٨: ١٥... هي تعني الفهم والمعرفة على المستوى العلمي. تعني أن ندرك إدراكاً مباشراً وبالحدس مشيئة شخص محبوب. وهي معرفة تساعدنا على اكتشاف ما يرضيه أو لا يرضيه. هي نوع من إحساس مرهف وجهوزية تامة بالنسبة إلى أقل رغباته.
وفي سياق كلامنا، هي معرفة دينية تجعلنا ندخل بكليتنا في المخطط الإلهي، في السر الذي يشكّل هذه المعرفة السريا (كو ۱: ۹ - ۱۰). هكذا يستطيع أهل فيلبي أن «يتبينوا الأفضل»، أن يميزوا بين الخير والشر (۱) تس ٥: ۲۱؛ ۱ کور ۱۱: ۲۸؛ ۲ کور ۱۳: ٥؛ غل ٦: ٤)، أن يوجهوا حياتهم توجيهاً مستقيماً عبر عقبات هذا العالم.
رابعاً: نقاوة القلب (آ ۱۰)
كان الكلام السابق: أن نمتحن مختلف الأمور ونختار، أن نميز القيم الحقة. وها هو النص يطلب منا أن نكون «أنقياء وبلا لوم». فالمحبة لا تكتفي بأن تنيرنا حول مشيئة الله. إنها تشعل قلوبنا غيرة لكي نتم هذه المشيئة. وهي
٥٣