صفحة 63
وهناك مستوى آخر نقرأ فيه آ ٢١. فالمسيح ليس فقط القائم من الموت، بل المصلوب أيضاً. والحياة في نظر بولس هي أن يقترب من صليب معلمه. وهكذا تتجذّر الصوفية في التاريخ. وتكون في نظرة اتباع يسوع مع أهمية الآلام الرسولية (رج ٢ كور ٤ : ١٠ي). كان بولس سجيناً، وهو متأرجح بين الموت والحياة. لهذا فحياته هي حياة المسيح. والموت ربح، لأنه يوحد بالصليب هذا الضعف الذي منه تنفجر قوة الله (٢ كور ١٢ : ٩).
ونخطو خطوة أخرى. سياق النص هو الكرازة. وفي نظر بولس ليس المسيح قيمة جامدة، بل دينامية تدفعه إلى أن يبشر بالمصلوب وبالقائم من الموت. إذن، لا قيمة لحياة الرسول إلا في حمل هذه البشارة. والموت هو أيضاً ربح، لأنه يمنحه الإمكانية الأخيرة للشهادة للمسيح. فالإسم «كردوس» يتوازى مع «ثمر العمل» في ٢٢آ. وفعل «كرداينو» يدلّ على هدف الخدمة الرسولية (١ كور ٩ : ١٩ي).
كل هذا هو ربح «لي». هذا ما يقابل «لهم» الذي يدلّ بشكل ضمني على مهاجميه و «لكم» في آ ٢٤ (من أجلكم). فإن رافع بولس من أجل خلاصه من السجن، فلم يكن عمله وليد الأنانية. فالحل الأسهل بالنسبة إليه هو الموت. استعمل بولس الفعل «تو زان» و «تو أبوثاناين» ليدلّ على الحياة والموت. ولم يستعمل الاسم «زوئي، ثاناتوس»، لأنه يشهد على فعل الموت أو الحياة، لا على اعتبارات عامة حول الموت والحياة.
ثالثاً: تردّد الرسول (٢٢آ)
مهما كان المعنى الدقيق للآية ٢١، فلا شك في المعنى العام: حسب بولس أنَّ الموت هو ربح. ولكنه مقيّد الآن بحيث أخذ يتردّد حول السلوك الذي يتخذه. نجد فعل «ايرايو» الذي يعني «أمسك، اخذ بيديه، اختار» (٢ تس ٢ : ١٣؛ عب ١١ : ٢٥). نجد «غنوريزو» الذي يعني «عرف»، بل أعلن، عرّف (يرد الفعل ٢٦ مرة في العهد الجديد، ومنها ١٨ عند القديس بولس). لسنا فقط أمام معرفة داخلية، بل معرفة تُفصح عنها. وهذا ما يفعل الرسول. لا شيء
٦٧