صفحة 87
www.christianlib.com
ولاحظنا أيضاً أن النشيد لا يذكر إلا شخصين: الله والمسيح. وأن مرمى الدراما التي يصوّرها هي سيادتهما على الخليقة. هذا ما تعبّر عنه آ٦ حيث الصلة وثيقة بين الخلق والفداء. وبعد هذا، نفهم التعارض الأساسي بين القسم الأول من النشيد، حيث المسيح هو الفاعل، والقسم الثاني حيث الله يحتل المكان كله. ونفهم أيضاً إيراد أش ٤٥ : ٢٣ (في آ ١٠ - ١١) الذي ينقل إلى المسيح ما كان في العهد القديم صفة من صفات يهوه: السيادة على جميع الشعوب.
لهذا يبدأ النشيد وينتهي بذكر الله (آ٦ أ، ١١ ج): فالاعتراف بيسوع كالربّ لا ينال من مجد الله، بل هو يتسجّل في قصده الخلاصي، وهو ثمرة قراره الحرّ (آ٩ ي)، بل هو لمجده لأنه يكشف أبوّته (آ١١ ج). ويكشف «الشاعر» «حلّ» هذه المسألة المستحيلة في طاعة يسوع الناصري وتواضعه، في تنازله وموته على الصليب.
ولكن النشيد ينطلق من حياة هذا «الانسان»، فيصعد إلى «أعلى»، ويشير إلى وجود المسيح قبل الزمن. بنى «الشاعر» القسم الأول من النشيد منطلقاً من إيمانه. وانطلق في القسم الثاني من واقع ملموس هو الاعتراف العبادي وإبراز أش ٤٥. ولا ننسى أن بلينوس الأصغر، حين كتب إلى ترايانس عن المسيحيّين، صوّرهم بأنهم ينشدون المدائح للمسيح وكأنه إله.
يبقى أن نكتشف هويّة كاتب هذا النشيد. هناك فئتان. الأولى تنفي أن يكون بولس صاحب النشيد، لأن بعض ألفاظه غريبة عن لغة الرسول. والفئة الثانية تعتبر أن الرسول ألفه في مناسبة من المناسبات ثم أدخله إلى فل. هو نشيد وُلد في محيط يوناني، وقد يكون محيط أنطاكية. صاحبه متشرّب من العهد القديم، وهو شاعر عبقري.
هو بولس الرسول، انطلق من سياق عمادي يشدّد على النزول والصعود، أو من سياق إفخارستي مع التجسّد والتنازل، مع تذكّر الموت على الصليب، مع الفرح والانتصار. وهكذا نكون في إطار أسرار التنشئة، أسرار المعموديّة والتثبيت والافخارستيا، التي ينالها المؤمن حين دخوله في الكنيسة.
٩١