صفحة 91
www.christianlib.com
عن حاله اللاهوتية. ويشدِّد النص هنا على حرية الذي يفعل. لقد بادل الوضع الإلهي بوضع العبد. وتتوخَّى هذه العبارة أن تدلَّ على تحوُّل الذي يتصرف بحرية. لا نستطيع أن نتخيَّل مسافة أطول من تلك التي تفصل الله عن العبد. مسافة لا تُحدُّ، ولا يستطيع أحد أن يعبرها. وحده استطاع ذلك. والتلاشي (أفرغ نفسه، تجرَّد من ذاته) هو تعبير آخر عن التجسُّد. لقد صار الله إنساناً.
ولكن في هذا التجرُّد الكامل، حافظ التفكير اللاهوتي على شخص الذي هو مساوٍ لله ومساوٍ للعبد. ووعيُّ تجسُّد الله قد لفت نظر اللاهوت المسيحي فحاول أن يجعل سامعيه يحسُّون بالصدمة التي صدمته هو. ولكننا ما نزال تحت الدهشة حين نسمع أن ذاك المساوي لله اتَّخذ حالة عبد.
لقد فهم هذا النشيد وضع الإنسان على أنه عبودية. والمسيح دخل في وضع العبد، وتضامن كلياً مع البشر. وعبَّر النص عن هذا التضامن بعبارة «شبيه بالبشر». هنا نلاحظ مسيرة الفكرة التي انطلقت من الجمع (شبيه بالبشر) إلى المفرد (تصرَّف كإنسان). فسلسلة الأجيال البشرية التي ينضم إليها الله المتجسِّد، تلتقي به في نقطة محددة. إنه حقاً إنسان. وهو حلقة في تاريخ البشر. إنه حقاً منهم ونحن نستطيع أن نتحقق من واقعه البشري.
نقرأ فعل «كانوو». يستعمل بولس هذا الفعل مراراً في صيغة المجهول (روم ٤: ١٤؛ ١ كور ١: ١٧؛ ٢ كور ٩: ٣). غير أن المجهول يختفي هنا فيشدِّد على حرية الفاعل: حرم المسيح نفسه من ممارسة سلطانه، فتلاشى، فأفرغ ذاته، فتجرَّد من ذاته. ويستعمل هذا الفعل تجاه «بلاروما» أي الملء: يسوع يمارس سلطته على الخليقة كلها كما على الكنيسة (كو ١: ١٩؛ ٢: ٩؛ أف ١: ٢٣؛ ٣: ١٩).
تلاشى وأخذ صورة العبد. فالتجسُّد هو تنازل ورسالة. ولفظة «دولوس» تقابل لفظة «كيريوس». واسم الفاعل «لابون» آخذ، تقابل «هيبارخون» (مالك). ونقرأ أيضاً «هومويوما» (شبه). لقد شابه المسيح البشرية. لا نجد هذه الكلمة في العهد الجديد إلا عند بولس (روم ٨: ٣)، وهذا ما يدل أيضاً على
٩٥