صفحة 100
تفسير رسالة غلاطية
وإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلانٍ .. لم يوضح بولس الرسول طبيعة هذا الإعلان ولا تفصيلاته، لكننا ندرك تماماً أن الروح القدس الذي عمل في الآباء الرسل بلا شك عمل في بولس أيضاً، والروح القدس كان يقود خطوات بولس الرسول ومن معه: "وَبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فَرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاطِيَّةَ، مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي آسِيَّا. فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِيثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ" (أع ١٦: ٦، ٧)، وقد أعلن الله لبولس سر قبول الأمم، فقال لأهل أفسس: "قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ الْمُعْطَاةِ لِي لأَجْلِكُمْ. أَنَّهُ بِإِعْلانٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ" (أف ٣: ٢، ٣)، وبموجب إعلان ذهب إلى أورشليم هذه المرة، وفي موضع آخر يقول: "وَحَدَثَ لِي بَعْدَ مَا رَجَعْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَكُنْتُ أُصَلِّي فِي الْهَيْكَلِ، أَنِّي حَصَلَتْ فِي غَيْبَةٍ، فَرَأَيْتُهُ قَائِلاً لِي أَسْرِعْ! وَاخْرُجْ عَاجِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ شَهَادَتَكَ عَنِّي" (أع ٢٢: ١٧، ١٨) فبولس الرسول رجل الاستعلانات: "إِنَّهُ لاَ يُوَافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ. فَإِنِّي آتِي إِلَى مَنَاظِرِ الرَّبِّ وَإِعْلانَاتِهِ" (٢كو ١٢: ١). إذاً بولس الرسول صعد إلى أورشليم بموجب إعلان إلهي له، وليس بناءً على استدعاء الرسل له، فالرسل لم يرسلوا إليه ولم يستدعوه ليراجعوا إنجيله الذي يكرز به.
وعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الإِنْجِيلَ الَّذِي أُكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ .. عرضت عليهم أي على الآباء الرسل والقسوس، عرضت عليهم الإنجيل: "الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عَلَّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل ١: ١١، ١٢)، وهو إنجيل المسيح المقدم للجميع: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللَّهِ لِلْخَلاصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ" (رو ١: ١٦)، ويقول "الدكتور القس غبريال رزق الله": "إن الرسل والمشايخ والإخوة في أورشليم .. جميعهم من اليهود المختونين الذين يرون في "ختان الجسد" امتيازاً يرفعهم فوق سائر الشعوب والأمم، ويخصهم بإله إسرائيل، ويعتبرون موسى جد الاعتبار، ويحترمون ناموسه كل الاحترام، وإلى هذه الساعة كانوا يتحاشون الاختلاط بالأمم غير المختونين، معتبرين إياهم غرلاً نجسين .. لذلك لم يكن من يحامي عن "إنجيل الغرلة" بغيرة وقادة وقوة فعالة وحجة قاطعة غير بولس الذي أفرز من البطن ودعي بنعمة المسيح، وتعلم إنجيل