صفحة 103
— ١٠٣ —
الأصحاح الثاني
نَحْنُ أَيْضًا (أع ١٠: ٤٧) .. "وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللَّهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا" (أع ٨: ١٤).
وَلَكِنْ بِالانْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ .. يقول "الأب متى المسكين": "هي مرة كانت ولم تتكرر قط في عمر الكنيسة والمسيحية، أن يتلاقى أعمدة الختان الثلاثة خلاصة الفكر الرسولي للاثنى عشر مع عملاق الأمم الرسول المعين من السماء من فم المسيح مباشرة. هؤلاء الأربعة جمعهم المسيح معاً وجهاً لوجه ليحملوا هم العالم في صورته المصغرة آنئذ وليرسموا معاً مناطق الخدمة وحمل المسئولية ورسم خريطة المسيحية لمستقبل العالم المسيحي وحدود نمو الرسالة وتقدمها .. وكان ق. بولس يمثل الباب المفتوح على مصراعيه لدخول كل الأمم بلا مانع وعن سعة، في مقابل الانحصار الختاني فيما لليهود المتمحورين في أورشليم والمشتتين في كل بقاع العالم أقلية قليلة منغلقة على ذاتها لا ينفذ من خلالها شعاع رجاء لخلاص الأمم .. إن هذا المجمع صار من أهم وأخطر حوادث التاريخ المسيحي على وجه الإطلاق "(1).
وَلَكِنْ بِالانْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ .. كان هذا الاجتماع على مستوى القادة مقدمة لعقد مجمع أورشليم، وكما أن بولس الرسول حقق الهدف الإلهي في هذا الاجتماع المصغر، فإنه حقق ذات الهدف في مجمع أورشليم، وقال بطرس الرسول عن هؤلاء الأمم: "اللَّهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبِ شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِيًا لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضًا. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ" (أع ١٥: ٨، ٩)، وطفق بولس وبرنابا يخبران بعظائم اللَّهِ فِي الأُمَمِ (أع ١٥: ١٢)، وأوضح القديس يعقوب قصد اللَّهِ في أن يقيم من الأمم شعباً لاسمه، وأوصى أن: "لاَ يُثْقَلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللَّهِ مِنَ الأُمَمِ" (أع ١٥: ١٩)، وكان حضور تيطس في وسطهم دليل عملي على ثمرة عمل اللَّهِ في الأمم، وعلى قبول الرسل الأطهار للأمم دون إلزامهم بالختان، ونجح مجمع أورشليم نجاحاً باهراً وحقق الهدف من انعقاده، وحافظ على وحدة الكنيسة، وحفظ وحدانية التعليم فيها، ونجاها من شر الانشقاق وهي بعد في مهدها.
(1) شرح رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ١٣٦