صفحة 104
تفسير رسالة غلاطية
لِئَلَّا أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً .. وليس معنى هذا أن بولس كان يشك ولو للحظة واحدة في التعاليم التي تسلمها من السيد المسيح رأساً، ولكنه هنا ينقل مشاعر الآخرين الذين قالوا إن إنجيل بولس مخالف لإنجيل الرسل، وكرازته لكرازتهم، وإن سعيه كان سعياً باطلاً، فالمعنى المقصود هنا: لئلا أكون سعيت باطلاً في نظر البعض، ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "قد صعدتُ وعرضتُ عليهم الإنجيل الذي أكرز به، ليس لأتعلم، وإنما لأقنع المتشككين أنني لا أسعى باطلاً. إذ سبق فرأى الروح أن هذا الخلاف سيحدث، لهذا دبر أن يصعد الرسول ويتصل (بالرسل)"(١).
لِئَلَّا أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً .. استعار بولس الرسول فعل "أَسْعَى" من الألعاب اليونانية التي يسعى فيها المتسابقون للحصول على الجائزة، وهذا ما ذكره لأهل فيلبي: "مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لِافْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلَا تَعِبْتُ بَاطِلاً" (في ٢ : ١٦)، وقال لتلميذه تيموثاوس: "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ أَكْمَلْتُ السَّعْيَ حَفِظْتُ الإِيمَانَ" (٢تي ٤ : ٧) وقال لأولاده في تسالونيكي: "أَرْسَلْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ إِيمَانَكُمْ لِعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلاً" (١تس ٣ : ٥)، وكم تعب كاروز الأمم وتعرض لمخاطر جمة، وهو يسعى سعياً دؤوباً في طريق الكرازة، وذكر جانب من هذه المتاعب وهو يقارن نفسه بالآباء الرسل: "أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً .." (٢كو ١١ : ٢٢ - ٢٨)، وأوصى أولاده أن يسعوا وأن يكون سعيهم بهدف محدد: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ وَلَكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجِعَالَةَ. هَكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا" (١كو ٩ : ٢٤).
لَكِنْ لَمْ يَضْطَرَّ وَلَا تَبَطَّسَ الَّذِي كَانَ مَعِي وَهُوَ يُونَانِيٌّ أَنْ يَخْتَتِنَ .. ربما كلمة "لَكِنْ" تعكس محاولات الإخوة الكذبة لختن تيطس، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل، وتعتبر هذه
(١) أورده القمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٣٠، ٣١