صفحة 113
الأصحاح الثاني
بإنجيله وسلطانه الرسولي وأعطوه يمين الشركة أن يستهين بهم؟! .. كل ما قصده بولس الرسول أن يبطل حجج الإخوة الكذبة الذين كانوا يدعون أن الآباء الرسل في أورشليم يشترطون الختان وحفظ الناموس، فأراد بولس أن يقول لهم أن الإيمان عنده فوق كل شيء، وأنه لن ينساق وراء أي إنسان مهما كان، ولن يجامل أي إنسان على حساب حق الإنجيل، فبالرغم من تقديره الشديد لهم، فإننا لو افترضنا أنهم خالفوه الرأي فيما تسلمه فلن يستطيع أن ينصاع إليهم.
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "ليس هذا هجوماً على الرسل بل يقول هذا لمنفعة الضعفاء، إذ يقصد أنهم (المعتبرين) سيعطون حساباً أمام الله إن كانوا يجيزون الختان، وأن الله لن يغير موقفه منهم بسبب مركزهم العظيم .. لكن الرسول لا يعلن الأمر بوضوح بل بحذر فلا يقول أنهم سينالون عقاباً صارماً إذا أحبوا هذا التعليم"(1).
والدليل على صدق قول بولس الرسول هنا "مَهْمَا كَانُوا لَا فَرْقَ عِنْدِي" أن بطرس الرسول عندما لمح بعض الأخوة القادمين من أورشليم وهو يأكل مع المؤمنين الذين من أصل أممي ولم يختتنوا ابتعد عنهم قليلاً، فلم يصمت بولس الرسول إنما قاومه مواجهة ولامه أمام الجميع، وفي هذا يظهر أنه مساو للآباء الرسل، فلو لم يكن مساوياً لبطرس الرسول ما كان يتجرأ أن يلومه ، وهذا ما أوضحه عندما قال: "لأَنِّي أَحْسَبُ أَنِّي لَمْ أَنْقُصْ شَيْئاً عَنْ فَائِقِي الرُّسُلِ" (٢كو ١١: ٥) .. "قَدْ صِرْتُ غَبِيّاً وَأَنَا أَفْتَخِرُ. أَنْتُمْ أَلْزَمْتُمُونِي لأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُمْدَحَ مِنْكُمْ إِذْ لَمْ أَنْقُصْ شَيْئاً عَنْ فَائِقِي الرُّسُلِ وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ شَيْئاً" (٢كو ١٢: ١١)، فبولس الرسول يؤكد هنا على حقيقتين: الأولى: أنه ليس دون الرسل بل هو مساو لهم فلا يصح أن يطعن أحد في رسوليته وإنجيله، والثانية: أنه يعرف أنه ليس شيئاً، فهو الذي اضطهد كنيسة الله بإفراط.
ويقول "الأب متى المسكين": "ليحترس القارئ من أن يحسب أن ق. بولس هنا ينتقص من كرامة الرسل، ولكن في الحقيقة هو يوازن بين ما للرسل وما له باعتبار أنه رسول مثلهم وعلى مستواهم، وإن كان يعتبر نفسه أفضل منهم من وجهة أنه تألم من أجل الإنجيل أكثر
(1) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٢٣