صفحة 122
١٢٢ -
تفسير رسالة غلاطية
ثانياً: بولس يقاوم بطرس (غل ٢: ١١ - ١٤).
"ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملوماً. لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفاً من الذين هم من الختان. وراعي معه باقي اليهود أيضاً حتى إن برنابا أيضاً انقاد إلى ريائهم. لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل قلت لبطرس قدام الجميع إن كنت وأنت يهودي تعيش أممياً لا يهودياً فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا" (غل ٢: ١١ - ١٤).
كانت الكنيسة الأولى تقيم ولائم المحبة (الأغابي) للمؤمنين، وعلى المائدة يجتمع جميع المؤمنين سواء من أصل يهودي أو أصل أممي، فقراء كانوا أم أغنياء، عبيد أم أحرار يأكلون معاً، يشعرون بالإخوة وأنهم جميعاً أعضاء مقدسة في جسد المسيح الواحد، ويبدو أن ما بدر من القديس بطرس هنا إذ أفرز نفسه عن الأمم رغم إيمانهم بالمسيح قد حدث بعد مجمع أورشليم، وهذا يعني أن مشكلة التهود لم تنتهي بزيارة بولس وبرنابا وتيطس إلى الرسل المعتبرين يعقوب وبطرس ويوحنا أعمدة الكنيسة، وانعقاد مجمع أورشليم، وما بدر من بطرس الرسول ربما يراه البعض تصرفاً بسيطاً ولكن بولس بالحكمة المعطاة له أدرك أن هذا يمثل بذرة الانشقاق في الكنيسة، ولهذا فإن التاريخ الكنسي سيظل يذكر الدور الجبار الذي قام به كاروز الأمم ليجنب الكنيسة خطورة الانشقاق وهي في مهدها، سواء بسعيه الدؤوب في لقاء رسل أورشليم، أو في مجمع أورشليم، أو في مقاومة بطرس مواجهة.
وتكمن بذرة التهود في نظرة الإنسان اليهودي للأممي على أنه نجس وخاطئ، لا يصح التعامل معه ولا الأكل معه، ولا السفر معه، حتى عندما كان اليهودي يعود من السوق كان يسرع بغسل يديه والتطهر بالماء لئلا يكون قد سلم على إنسان أممي، ويرى اليهودي أن الأمم هم كلاب نجسة، وقد خلقوا كوقود لجهنم النار، وللأسف الشديد فإن بعض اليهود المتزمتين الذين آمنوا بالمسيح لم يستطيعوا أن ينزعوا أنفسهم من تلك الاعتقادات، ولذلك عندما بدأ بطرس أن يؤخر ويفرز نفسه عن المؤمنين من أصل أممي إنساق وراءه المؤمنين من أصل يهودي، بل أن برنابا إنقاد إليهم.