صفحة 124
تفسير رسالة غلاطية
انطلقت جميع رحلات بولس الرسول التبشيرية، وفي الرحلة التبشيرية الأولى نحو سنة ٥٢ م يقول الكتاب: "أَمَّا بُولُسُ وَبَرْنَابَا فَأَقَامَا فِي أَنْطَاكِيَةَ يُعَلِّمَانِ وَيُبَشِّرَانِ مَعَ آخَرِينَ كَثِيرِينَ أَيْضًا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ" (أع ١٥ : ٣٥). وغالباً خلال هذه الفترة قام بطرس الرسول بزيارته إلى أنطاكية، وما أجمل أن يزور رسول الختان الأمميين في أنطاكية، وبلا شك أن هذه الزيارة قد هزت المدينة، فدخول رسول الختان إلى بيوت هؤلاء المؤمنين والأكل معهم بدون فحص كان مبعث فرحة عظيمة لسكان أنطاكية .. إنها لفتة رائعة من بطرس الرسول أفرحت قلوب الأمم، وكم كانت فرحتهم عندما اقترب منهم وأكل معهم وسادت المحبة وفاضت المودة، ورفرف السلام، وامتلأت القلوب بالفرح بهذه العائلة الكبيرة التي ضمن الأمم واليهود معاً، وبلا شك إن هذه السعادة الغامرة قد أثارت حفيظة عدو الخير الذي استغل دخول وفد من المتهودين من أورشليم وحدث ما حدث، ولكن روح الله القدوس قد حرك كاروز الأمم ليصحح الأوضاع ويعيد الحق إلى نصابه.
لَمَّا أَتَى بُطْرُسُ .. فَأَقَامَتُهُ مُوَاجَهَةً لِأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا .. ليس معنى هذا أن بولس وبطرس احتدًا وتراشقا بالألفاظ وتشابكا بالأيدي، وليس معنى هذا أن بولس اغتاب بطرس، أو أن بطرس طعن بولس طعنة غادرة من الخلف .. ليس هكذا الاختلاف في الكنيسة، إنما هو اختلاف في جو من المحبة والهدوء والتفهم، فما فعله بولس كان عتاباً شديداً لبطرس مواجهة أمام الجميع، وقد يتساءل أحد: كيف يجرؤ بولس الذي دخل في الإيمان بعد بطرس بسنوات عديدة، أن يقاومه مواجهة؟! .. كيف يواجه المؤتمن على إنجيل الغرلة المؤتمن على إنجيل الختان؟! .. كيف يواجه بولس بطرس أحد أعمدة الكنيسة الثلاثة وهو واحد من المعتبرين، ومن فائقي الرسل؟! .. لقد فعل بولس هكذا لأنه رأى رياح الانقسام تهب بعنف على الكنيسة، فتصدى لبطرس حتى لا ينهار المعبد على رؤوس الجميع .. بولس لم يجد مناصاً من هذا ولم يجد حلاً غير هذا، فلو صدر هذا التصرف من إنسان عادي ما كان له خطورته مثلما يصدر من بطرس الرسول العظيم، أما بولس فقد تمسك بالحق، مع التشديد بأن معلمنا بولس الرسول سلك سلوكاً مسيحياً في منتهى اللباقة والأدب والاتضاع والكياشة، ولم ينقل الاختلاف في الرأي إلى خلاف شخصي، فلم يطعن في شخصية بطرس الرسول ولم ينل من رتبته الرسولية، ولم يقلل من احترامه وتقديره له، وأيضاً قابل بطرس مقاومة