صفحة 127
— ۱۲۷ —
الأصحاح الثاني
وَلَكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ .. رأى العلامة ترتليان والقديسون أغسطينوس وكبريانوس وأمبروسيوس والبابا كيرلس الكبير أن القديس بطرس سلك هذا تحت تأثير الضعف البشري، بينما رأى القديسان جيروم ويوحنا ذهبي الفم أن بطرس سلك هذا المسلك لئلا يتهمه هؤلاء القوم بأنه قد غير سلوكه في أنطاكية، فبعد أن كان يحترم الختان في أورشليم لم يعد يهتم به في أنطاكية بسبب تأثير بولس الرسول عليه، ويبلغون تلاميذه بهذا فيسقط في نظرهم، ولهذا أفرز نفسه من الأمم ليهيئ الفرصة لبولس الرسول أن يوضح أن التبرير بالإيمان بالمسيح وليس بحفظ مطالب الناموس، فيخضع بطرس الرسول ويخضع معه تلاميذه (راجع تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٢٥ ، ٢٦، والقمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٣٤ ، ٣٥)، ولكن يقف ضد هذا الرأي قول الكتاب عن بطرس الرسول أن كان: "خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ"، وأيضاً لم نتعود من الآباء الرسل هذا الأسلوب، إنما تعودنا منهم الصراحة والشفافية.
كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ .. ويقول "لا يتفوت": "إن الكلمات اليونانية تحمل معنى: "الانسحاب الحذر لإنسان خائف، منطو على ذاته، يخشى أن يلاحظه الناس وينتقدونه"(۱)، فإذا كان بطرس ينسل بهدوء حتى لا يلحظه أحد، فإذ ببولس عين الصقر يلمحه، ويدرك جيداً مغزى هذا التصرف، الذي ربما لا يجذب أنظار الآخرين، بينما ينطوي على:
(۱) رفض طعام الأمميين، مع أن الكتاب حلل جميع الأطعمة ما عدا ما ذبح للأوثان.
(۲) إن الإيمان لم يُطهر الأمميين الذين تنصروا.
(۳) إن المؤمنين من أصل أممي هي أقل قدراً وقداسة وطهارة من الذين هم من أصل يهودي.
ويقول "ماكدونل": "أثبت بطرس ضمنياً برفضه أن يأكل مع رجال ذوي غلفة أنهم كانوا بالنسبة له ما يزالون "دنسين ونجسين" رغم كونهم مؤمنين بالمسيح، وأوحى أيضاً أن طقوس موسى تضفي على الإنسان قداسة أسمى من بر الإيمان"(٢).
(۱) تفسير رسالة غلاطية لجون وسلي ص ٢٤
(٢) الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٩٧٦