صفحة 128
تفسير رسالة غلاطية
ويقول "دكتور وليم آدي" عن بطرس الرسول: "أبى أن يأكل مع مؤمني الأمم وذلك عرض بأنهم نجسون وغير مساوين لمؤمني اليهود وأن الشريعة الموسوية من جهة تمييز الأطعمة لم تزل قائمة وواجبة وهذا يمنع من اشتراك الفريقين مؤمني اليهود ومؤمني الأمم في العشاء الرباني وولائم المحبة وتناول الطعام المعتاد في بيوتهم"(1).
ويقول "الخوري بولس الفغالي": "أما الترتيبات المتعلقة بالطعام الذي يأكله اليهود مع الغرباء، فالشريعة لا تقول عنها شيئاً، إلا أن كتاب اليوبيلات (كتاب منحول دُوّن حوالي سنة ١٢٥ ق. م) فيبدو قاسياً متشدداً. قال إبراهيم ليعقوب: "انفصل عن الأمم ولا تؤاكلهم. لا تعمل مثل أعمالهم ولا تكن مشاركاً لهم. فأعمالهم غير طاهرة، وكل طرقهم نجاسة ورجس وقذارة" (٢٢ : ١٦)، وستقول "الرسالة إلى أرستبس": "أراد المشرّع أن يحمينا من كل اتصال نجس، فمنع التعامل مع الأشخاص الساقطين من أن يفسدنا. فأحاطنا بسلسلة من فرائض الطهارة: الطعام، الشراب، اللمس، السماع، النظر".
وما نلاحظه ثانياً هو أهمية جماعة أنطاكية التي تألفت منذ بدايتها من يهود ووثنيين فقد كانت أنطاكية نقطة انطلاق رسولية بالنسبة إلى بولس، وأي فشل له في تلك المدنية سيكون له انعكاسات قاسية لا تُحصى. من أجل هذا، اتخذ بولس ما اتخذ من موقف عنيف"(٢).
كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفَرِّزُ نَفْسَهُ خَائِفاً مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ .. هل تغافل بطرس الرسول الرؤيا السماوية وصوت الله له: "مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ لَا تُدَنِّسْهُ أَنْتَ" (أع ١٠ : ١٥)؟ .. وهل تناسى أقواله في مجمع أورشليم: "وَاللَّهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبَ شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِياً لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضاً .. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ" (أع ١٥ : ٨، ٩)؟ .. وهل تصرف ضد ما رآه الروح القدس والرسل الأطهار وهو واحد منهم .. وكيف تصرف هكذا؟!
الحقيقة أن الإجابة بسيطة، وقد أوضحها بولس الرسول في نفس الآية عندما قال عنه أنه كان: "خَائِفاً مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ" .. والخوف من إنسان يُسقط الإنسان في
(1) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ ٧ ص ٢٧
(٢) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ٩٣ ، ٩٢