صفحة 129
— ١٢٩ —
الأصحاح الثاني
المحظور : "خَشْيَةُ الْإِنْسَانِ تَضَعُ شَرَكًا وَالْمُتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ يَرْتَفِعُ" (أم ٢٩ : ٢٥)، وبلا شَكٍّ أَنَّ الْخَوْفَ هُوَ الَّذِي أَوْرَثَ بُطْرُسَ خَطِيَّةَ الْإِنْكَارِ وَلَوْلَا افْتِقَادُ سَيِّدِهِ لَهُ لَضَاعَ وَهَلَكَ، بَيْنَمَا بُطْرُسُ الرَّسُولُ فِي شَجَاعَتِهِ وَاجَهَ الْيَهُودَ قَائِلًا لَهُمْ عَنِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ: "وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع ٢ : ٢٣)، وَوَاجَهَ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالْقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ قَائِلًا لَهُمْ: "الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ" (أع ٣ : ١٣) .. "يَسُوعَ الْمَسِيحَ النَّاصِرِيَّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ (أع ٤ : ١٠).
وَيَقُولُ "الدُّكْتُورُ الْقَسُّ غَبْرِيَالُ رِزْقُ اللَّهِ": "فَلَمَّا أَتَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنَ الْخِتَانِ خَافَ مِنْهُمْ بُطْرُسُ لِئَلَّا يُعَيِّرُوهُ مُخَاصِمِينَ إِيَّاهُ، كَمَا خَاصَمَهُ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ فِي أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: "إِنَّكَ دَخَلْتَ إِلَى رِجَالٍ ذَوِي غُلْفَةٍ وَأَكَلْتَ مَعَهُمْ" (أع ١١ : ١ - ٣) فَقَدْ كَانَ بُطْرُسُ يَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ الْيَهُودُ نَظْرَةَ احْتِقَارٍ كَشَخْصٍ خَائِنٍ لِيَهُودِيَّتِهِ لِذَلِكَ لَمَّا أَتَى أُولَئِكَ الْيَهُودُ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ خَائِفًا مِنْ تَعْيِيرِهِمْ لَهُ وَمُخَاصَمَتِهِمْ إِيَّاهُ(١) .. حَقًّا أَنَّ الْخَوْفَ خَطِيَّةٌ تَقُودُ صَاحِبَهَا لِسِلْسِلَةٍ مِنَ الْخَطَايَا، حَتَّى أَنَّ الْكِتَابَ قَالَ: "وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ .. فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رؤ ٢١ : ٨).
"وَرَاعَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أَيْضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ" (غل ٢ : ١٣). وَرَاعَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا .. الرِّيَاءُ رَذِيلَةٌ حَيْثُ يُظْهِرُ الْإِنْسَانُ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ، وَيُصْبِحُ لِلْإِنْسَانِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ظَاهِرٌ وَالْآخَرُ خَفِيٌّ، وَهَذَا لَا يُطَابِقُ ذَاكَ، يُظْهِرُ الْإِنْسَانُ الْحُبَّ وَالْوُدَّ وَالصَّدَاقَةَ بَيْنَمَا يُبْطِنُ مَشَاعِرَ سَلْبِيَّةً مِنْ حِقْدٍ وَبُغْضَةٍ وَكَرَاهِيَةٍ، هَكَذَا كَانَتِ الْقُبْلَةُ الْغَاشَّةُ الَّتِي طَبَعَهَا يَهُوذَا الْإِسْخَرْيُوطِيُّ عَلَى جَبِينِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَيَقُولُ "الْأَبُ مَتَّى الْمِسْكِينُ "عَنِ الرِّيَاءِ: "اسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ فِي الْيُونَانِيَّةِ "مُرَائِي" (كَمَا تَنْطِقُ فِي الْإِنْجِلِيزِيَّةِ هِيبُوكْرِيت hypocrite) بِمَعْنَى يَسْلُكُ سُلُوكًا يُرْضِي الْآخَرِينَ عَلَى تَزْيِيفٍ وَكَذِبٍ، وَيُسَمِّيهَا الْعَالِمُ بُرُوسُ: playacting وَتَعْنِي يَلْعَبُ عَلَى الصَّفَّيْنِ، أَوْ يَسْلُكُ بِعَدَمِ لِيَاقَةٍ أَوْ
(١) شَرْحُ رِسَالَةِ غَلَاطِيَّةَ ص ١٧٦