صفحة 144
١٤٤ -
تفسير رسالة غلاطية
"عَبْدِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز ١٤٣ : ٢)، لأنه ليس إنسان بلا خطية، وفي هذه الآية محط الحديث يفترض بولس الرسول افتراضاً، وسريعاً ما يجيب عليه بقوة وعنف: إن كنا ونحن طالبون أن نتبرر في المسيح، أي أن هدفنا هو الحصول على التبرير بالمسيح، ولكننا ما زلنا نعتقد ونتمسك أنه لا خلاص ولا تبرير بدون أعمال الناموس، والتي عجزت عن تبريرنا، إذا ما زلنا خطاة .. ما دمنا نطلب التبرير فهذا برهان ودليل كاف على أننا خطاة، وما دمنا خطاة فلا نختلف عن الأمم، وهنا يظهر المسيح لا ليبررنا بل يتركنا في خطايانا، فهل السيد المسيح في هذا يسهل لنا طريق الخطية؟! .. هل صار المسيح خادم الخطية؟! .. وسريعاً ما يصرخ بولس الرسول وهو مرتعَب من هذا التجديف، ويجيب بقوة وعنف في أسلوب استنكاري: "حاشا" .. حاشا لله .. من المستحيل أن يحدث مثل هذا، لا يمكن أن يكون المسيح خادماً للخطية ولا مهللاً لها، ولا مسهلاً لها، ولا محرضاً عليها، فالخطية ضد طبيعة الله القدوس.
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "إذا فالالتزام بفرائض الناموس إلغاء للإنجيل، وإتهام للإيمان المسيحي بالضعف وعدم جدواه للخلاص، فإن كنا نخشى إلغاء السبت فنحن إذاً نخشى الناموس كسلطة علينا. وإن خشينا الناموس فلنخشَه ككل لا كجزء، وحينئذٍ لن يكون للإيمان أدنى قيمة في تبرير الإنسان. إن كنت تحفظ السبت فلماذا لا تختتن أيضاً؟ وإن اختتنت فلماذا لا تقدم ذبائح؟ فمن يتمم جزءاً يجب أن يتمم الكل، ومن يحذف جزءاً يكون كمن حذف الكل. وهكذا إذا التزمنا بالناموس نسقط من طاعة المسيح، وإن أطعنا المسيح يجب ألا نلتزم بالناموس. فإن صرنا آنذاك مخطئين يكون المسيح هو السبب وبذلك يجعل هؤلاء اليهود من المسيح (خادماً للخطية) ولهذا يصيح الرسول: "حاشا!" كاحتجاج صارخ لا يحتاج إلى مزيد من الشرح" (١).
ويقول "الأب متى المسكين": "اليهودي الذي تخلى عن أعمال الناموس وآمن بالمسيح وتبرر بإيمان المسيح إذا عاد وتعبد لأعمال الناموس يكون كمن وضع المسيح تحت عبودية الناموس وأعماله، وجعل أعمال الناموس أعلى من بر المسيح. وحاشا" (٢).
(١) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٢٨
(٢) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ١٧٨