صفحة 161
— ١٦١ —
الأصحاح الثاني
أعماق قلبه قائلاً: "الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي". . لقد عاش بولس الرسول هذه المحبة الإلهية الفياضة حتى عبّر عنها قائلاً: "لِأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا" (٢ كو ٥ : ١٤).
الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي.. أحبني وأسلم نفسه للموت لينقذني كما قال من قبل: "يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لِأَجْلِ خَطَايَانَا لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللَّهِ وَأَبِينَا" (غل ١ : ٣، ٤)، وأوصى بولس أولاده في أفسس أن يتشبثوا بمحبة المسيح الذي أسلم نفسه قرباناً وذبيحة حية لأجل خلاصنا: "وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِنَا قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً" (أف ٥ : ٢)، فقد بذل السيد المسيح ذاته لكيما ينتزعنا من أنياب الموت: "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لِأَجْلِنَا لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ" (تي ٢ : ١٤).
الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي.. يقول "الأب متى المسكين": "ولكن في نهاية الأصحاح الثاني لا نستطيع أن نعبر لما بعده وضيـاء الآية: "أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي" قد خطف أبصارنا، هذا أول تعبير لإنسان يحتوي حب المسيح كله.. من أنت يا بولس حتى تنسب لنفسك كل حب المسيح الذي سكبه على عالم الإنسان في ماضيه وحاضره ومستقبله!! "أَحَبَّنِي"!
وكيف رأيت أن المسيح أوقف حبه لك وبمفردك؟
الحقيقة أيها القارئ العزيز أن البشرية غارت كلها من ق. بولس، وتقمص كل إنسان في المسيح مقولة ق. بولس هذه وبنفس الشموخ، فصارت وكأن المسيح قد أوقف كل حبه لكل إنسان على حدة وبمفرده، وفي ملء حبه هذا اقتحم كل أهوال الموت لينقذنا واحداً فواحداً. فلا حبه نقص ولا خطاياً كل الخطاة استنفذت أعماق هذا الحب العجيب"(١).
لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللَّهِ. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلَا سَبَبٍ
(غل ٢ : ٢١).
بهذه الآية يأتي ختام حديث بولس الرسول، وبعد أن صعد بولس الرسول إلى قمة جبل الجلجثة حيث قمة الحب الإلهي، وبعد أن عاش أعماق الصليب، وبعد أن التهبت عاطفته
(١) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ١٨٨، ١٨٩