صفحة 162
تفسير رسالة غلاطية
وأحشاؤه بحب المصلوب، عاد يطرح قضية التبرير في ضوء العقل، وطرح سؤالاً مؤداه: لو كان الناموس قادراً على تبرير الإنسان فلماذا مات المسيح إذاً؟! .. ما هي فائدة موته؟! .. هل يصنع الله عملاً عظيماً كهذا في تجسده وموته بلا داع لذلك؟!
لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللَّهِ .. قول بولس الرسول "لَسْتُ أُبْطِلُ" أي لا ألغي ولا أرفض نعمة الله، لا ألغي نعمة الله لا بأقوالي ولا بأفعالي، لا في حياتي الخاصة ولا في كرازتي للآخرين، فقد اختبرتُ نعمة الله بنفسي عندما افتقدني وأنا على مشارف أبواب دمشق، ولولا نعمة الله التي زارتني وافتقدتني لضعتُ في تعصبي وضللتُ وتهتُ في فريسيتي وتزمتي: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفاً وَمُضْطَهِداً وَمُفْتَرِياً وَبِفَاضِلِ نِعْمَةِ رَبِّنَا جِدّاً مَعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (١تي ١: ١٣، ١٤) .. لقد أراد المتهودون خلط النعمة بالناموس، وهذا بالطبع أمر مستحيل، لأن التمسك بالناموس من ختان وحفظ السبوت وغيرهما يعني تنحية النعمة جانباً، كما أن العودة للناموس يبطل نعمة الله، الهبة الإلهية المجانية للخاطئ، ولا يمكن للنعمة والناموس أن يسيرا معاً جنباً لجنب، لأن حفظ الناموس مبني على الاجتهاد البشري، أما نعمة الله فهي الهبة الإلهية المجانية التي يتقبلها الإنسان غير المستحق لها، فتنمو هذه النعمة وتثمر في حياته: "وَبِهَذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى" (أع ١٣: ٣٩) .. "وَلَيْسَ لِي بَرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ الْبِرِّ الَّذِي مِنَ اللَّهِ بِالإِيمَانِ" (في ٣: ٩)، وكان بولس الرسول يقول أنني حُيِّرتُ بين الناموس والنعمة، وعندما كنت أعمى البصيرة اخترت الناموس، وكان ما كان. ولكن عندما صرتُ أبصر جيداً اخترت النعمة بلا تردد، حتى عندما نحى بطرس الرسول إلى ناحية الناموس قاومته لأنه كان ملوماً، ونشكر الله من أجل إنقاذ بطرس المتضع ومن تبعه، بل أنقذ الكنيسة كلها من الانزلاق في هوة عميقة، إذ كان هناك احتمالان كل منهما أسوأ من الآخر، الاحتمال الأول أن تصبح المسيحية فرعاً وشيعة من الشيع اليهودية، وتدور في فلك اليهودية ولا نجاة، والاحتمال الثاني أن تنقسم الكنيسة إلى بولس وبطرس، إلى أمم ويهود، إلى إنجيل الختان وإنجيل الغرلة.
لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ .. ما زال بولس الرسول يطرح مشكلة التبرير وكيفية الحصول عليه، ويؤكد بولس الرسول على أن الإنسان ليس له أي طريق آخر للتبرير سوى