صفحة 168
www.christianlib.com
١٦٨ -
تفسير رسالة غلاطية
يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ" (مت ٥: ٢٢)، ويجيب "القديس يوحنا ذهبي الفم" قائلاً:
"ولا نتعجب من وصفه للغلاطيين بالغباء وكأنه قد خالف وصية المسيح: "مَنْ قَالَ يَا أَحْمَقُ
.. " (مت ٥: ٢٢) لأن المسيح أضاف قائلاً: ".. بلا سبب" أو "باطلاً" فأي غباوة أكثر من
هذه أن يترك الإنسان نعمة العهد الجديد ليلتصق بفرائض الماضي؟! ولم يستعمل الرسول
هذا الأسلوب التوبيخي إلا بعد أن قدم البراهين التي صارت فيما بعد فائدة المناقشة، لقد ارتد
الغلاطيون عن الإيمان واستهانوا بصليب المسيح فصار نعتهم بالغباوة أقل من استحقاقهم
في الواقع (1).
أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ .. هل هذا يعطينا المبرر أن نصف البعض بالغباء؟ كلاً:
1- كلمة "الأَغْبِيَاءُ" في الأصل اليوناني يمكن ترجمتها إلى "الغافلين"، فقد أغفل
الغلاطيون الإنجيل الذي بشرهم به بولس الرسول والذي لم يتعلمه من أحد بل من يسوع
المسيح رأساً، وتحوّلوا إلى فكر آخر، فأراد أن يوقظهم من غفوتهم لذلك استخدم بعض
الكلمات الصادمة فوصفهم بالأغبياء، والغبي هو من لا يتفهم حقيقة الأمور ولا يفطن لها،
وفي الأدب الهيليني وصف الغلاطيون بالغباء لأنهم لم يستخدموا عقولهم في التمييز بين
الحق والباطل: "لاحظ أن بولس يدعوا مؤمني غلاطية من الغلاطيين الأغبياء". تعني
الكلمة "غبي anoetai سوء الفهم، والطيش وعدم التفكير. كان الغلاطيون يستمعون إلى
تعليم كاذب ويقبلونه باستسلام، لم يفكروا فيما يُعلَّم لهم، ولم يستخدموا عقولهم ليروا إن كان
ما يُعلَّم صادقاً أم لا. كانوا "أغبياء" يتصرفون مثل أناس حمقى غير قادرين على
التفكير (٢).
٢- دعا بولس الرسول الغلاطيين بالأغبياء لأنهم بعد أن بدأوا بداية حسنة بالروح سلكوا
بحسب الجسد معتمدين على الختان والأمور الشكلية والأركان الضعيفة، ويقول "القمص
تادرس يعقوب": "هم أغبياء، لأنهم بدأوا بالروح، بالأمور العليا، وانحدروا إلى أسفل، أي إلى
أعمال الناموس الخاصة بالجسد .. عادة يبدأ الإنسان الحكيم ببدايات صغيرة ثم يتقدم إلى
(1) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٣١
(٢) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية جـ ٩ الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٣٥