صفحة 169
— ١٦٩ —
الأصحاح الثالث
الأمور العليا، أما هم ففعلوا العكس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: { بعدما تتقرسون في الشمس تطلبون شمعة، بعدما تأكلون طعاماً قوياً تجرون وراء اللبن } (١).
٣- استخدم بولس الرسول هذه الكلمة من منطلق المحبة الأبوية، ليساعدهم على النهوض من كبوتهم.
٤- كتب بولس الرسول هذا بوحي من الروح القدس، الذي نطق في القديم على لسان إشعياء قائلاً: "الثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مَعْلَفَ صَاحِبِهِ أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلَا يَعْرِفُ. شَعْبِي لَا يَفْهَمُ" (إش ١: ٣)، وقال بولس الرسول لمن ينكر قيامة الأموات، "يَا غَبِيُّ. الَّذِي تَزْرَعُهُ لَا يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ" (١كو ١٥: ٣٦)، والمقصود بالغباء هنا الغباء الروحي، مثلما قال السيد المسيح لتلميذي عمواس: "أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الْإِيمَانِ" (لو ٢٤ : ٢٥)، إذاً بولس الرسول لم يقصد على الإطلاق أن يسيئ إلى أحد أو يشتم أحداً.
ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "لأنه بعد ما أظهر أنهم رفضوا الإيمان وحسبوا موت المسيح بلا هدف قام بتوبيخهم الذي مهما بدا عنيفاً فهو أقل مما يستحقون" (٢).
ويقول "القديس أغسطينوس": "نحن ندافع عن الرسول الذي دعا الغلاطيين أغبياء، وقد دعاهم أيضاً إخوة، ذلك لأنه لم يقل هذا باطلاً" (٣).
مَنْ رُقَاكُم .. من أغواكم أو من فتنكم؟ .. والفتنة هنا بسبب الإصغاء لصوت الضلال والكذب والخداع والدعوة إلى عبودية الناموس .. من سلب عقولكم؟ .. فبولس الرسول يعرف مدى تأثير المعلمين الكذبة ومدى إلحاحهم: "بِالْكَلامِ الطَّيِّبِ وَالأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ يَخْدَعُونَ قُلُوبَ الْبُسَطَاءِ" (رو ١٦: ١٨)، ومن خلفهم تقف الحية القديمة التي خدعت أمناء حواء بمكرها: "وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا هَكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ" (٢كو ١١: ٣)، وبولس الرسول هنا لا يريد أن يلقي باللوم كله على الغلاطيين، بل يدين أيضاً الذين أضلوهم لذلك سأل: "مَنْ رُقَاكُم؟" وأكد على هذه الفكرة عندما عاد وقال: "يَا لَيْتَ الَّذِينَ يُقَلِّقُونَكُمْ يَقْطَعُونَ أَيْضاً" (غل ٥: ١٢).
(١) رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٤٢
(٢) أورده القمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٤١
(٣) المرجع السابق ص ٤١