صفحة 17
— ۱۷
تمهيد
أما المكان الذي كُتِبَتْ فيه الرسالة فهناك احتمالان:
الاحتمال الأول: عند مقابلة ما جاء في (أع ١٨: ١٩ - ٢٣) مع ما جاء في (أع ١٩: ١) يتضح أن الرسالة كُتِبَتْ من أفسس.
الاحتمال الثاني: عند مقابلة ما جاء في (أع ١٩: ٢١ ، ٢٢) مع ما جاء في (١كو ٥: ١٦) يتضح أن الرسالة كُتِبَتْ من كورنثوس مع رسالة رومية، وهذا يُفسّر لنا التشابه الكبير بين رسالتي غلاطية ورومية في الحديث عن التبرير بالإيمان، حتى أن البعض اعتبر رسالة غلاطية تمثل موجزاً لرسالة رومية، ورسالة رومية تُعد تفصيلاً لرسالة غلاطية، فالاحتمال الغالب أن الرسالة كُتِبَتْ في مدينة كورنثوس.
قانونية الرسالة:
قبلت الكنيسة الأولى رسالة غلاطية ضمن الأسفار القانونية للعهد الجديد، ولم يعترض أحد قديماً على قانونيتها ولا على نسبتها لبولس الرسول، حتى أن ماركيون الذي رفض العديد من رسائل العهد الجديد قبل هذه الرسالة، أما المدرسة الألمانية سنة ١٨٨٢م فقد شَكَّكَتْ في قانونية الرسالة، ومن الذين شَكَّكُوا في قانونية الرسالة Bruno Bauer، ولومان Loman، وفان Van، وفريدريك Friedrich، والذين شَكَّكُوا في الرسالة قالوا أنه من المستبعد حدوث خلاف بين اليهودية والمسيحية في هذا الوقت المُبكر من انتشار المسيحية، ولكن من الثابت تاريخياً انتشار حركة التهوّد في منتصف القرن الأول الميلادي وبسببها انعقد مجمع أورشليم، وقلّت حدة الحركة في القرن الثاني الميلادي.
ويقول "الخوري بولس الفغالي": "الرسالة إلى غلاطية هي أكثر الرسائل حيوية وأشدها حماساً في المجموعة البولسية .. استعملها أكليمنضس الروماني في نهاية القرن الأول المسيحي، وأغناطيوس الأنطاكي في بداية القرن الثاني، ثم رسالة برنابا والرسالة إلى ديوغنيت، والقديس يوستينوس. وجعلها ماركيون في رأس كل الرسائل بعد أن نَقَّحَ نصوصها في خط هجومه على العهد القديم.
الرسالة إلى غلاطية رسالة قصيرة، ولكنها تحتل مكانة هامة بين الرسائل البوليسية، فهي تساعدنا على تحديد مراحل حياة القديس بولس في خطوطها الكبرى. وفي هذه الرسالة يقدم لنا القديس بولس إنجيله المركز على صليب الرب يسوع .. في هذه الرسالة يدافع بولس بقوة عن حرية المسيحي بوجه الشريعة اليهودية .. لا مجال للمساومة، فالخلاص يتم فقط