انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com
- ۱۷۰

تفسير رسالة غلاطية

يقول "الخوري بولس الغالي": "يتوجه بولس مباشرة إلى قرائه فيذكرهم بحبهم السابق، وكيف أن هذا الحب صار مهدداً، ويلح في كلامه فيصل إلى العقدة التي تجعله يعارضهم: إذا كان الغلاطيون يشكون برسالته، فهذا يعني أنهم يشكون بحقيقة كرازته (غل ٤ : ١٦)، ويسميهم "الأغبياء" (أنويتيوس). هم جاهلون ولا معرفة لهم. لا يعرفون أن يميزوا نقطة أساسية في الحقيقة المسيحية، ويوجه كلامه بشكل سؤال لا ينتظر عليه جواباً: "مَنْ سَحَرَكُم؟".

هذا "السحر" يلمح إلى عمل محدد أثر على الغلاطيين في ماضٍ بعيد أو قريب، وهو الآن يحمل ثماراً مسمومة. إذا لسنا أمام تطور روحي أو عقلي عرفته هذه الكنائس، ولا أمام صراع داخلي بين ميول عديدة، فبولس يتحدث عن كنائس غلاطية وكأنها كنيسة واحدة، ثم يذكر هذا القلق الذي يعمل فيها. هناك أناس تكلموا فسحروا هؤلاء المؤمنين، وبالأحرى هناك قوة الكذب الخفية التي جعلت الغلاطيين يتحولون بسرعة (كما بعمل سحري) فلم يعوا الخطر لأن لا فهم لهم .. لسنا فقط أما خفة في العقل، بل أمام خيانة في الإيمان"(۱).

مِنْ رُقَاكُم .. والرقية من أعمال السحر، فقد أوصى الله شعبه قديماً: "لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ. وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَاناً أَوْ تَابِعَةً وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ" (تث ۱۸ : ۱۰ - ۱۲)، فالرقية عمل شيطاني ومن يفعلها مكروه عند الرب، ولم يقصد بولس الرسول أن هؤلاء المتهودين يمارسون السحر فعلاً، ولكن قصد أن تأثيرهم مثل تأثير السحر، وقيل أن "الزن على الأذن أقوى من عمل السحر".

ويقول "الأب متى المسكين": "الرقية هنا هي السحر، ولكن كما يقول يوحنا ذهبي الفم ليس معناه أن هؤلاء القوم الكذبة المفسدين للإيمان قد عملوا لهم سحراً حتى لا يذعنوا أي لا يخضعوا للحق وينحرفوا عن الإيمان، بل يتجه المعنى إلى أن هؤلاء الأشرار حسدوهم بالفعل على النعمة التي وصلوا إليها، وفي حقدهم على ضياع يهوديتهم أرادوا أن يزعزعوهم عن الحق الذي آمنوا به"(٢).

(۱) رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية ص ١١٤، ١١٥
(٢) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ١٩٣