صفحة 171
— ۱۷۱ —
الأصحاح الثالث
مِنْ رِقَاكُمْ .. أي من حسدكم؟ ولا سيما أن اللفظ مرتبط بالعين الشريرة، وكان اليونانيون يؤمنون بالحسد ويفزعون من عواقب العين الشريرة، حتى أنهم كانوا ينهون خطاباتهم بتمنياتهم النجاة من العين الشريرة قائلين: "وأهم شيء، أصلي أن تكون في تمام الصحة بعيداً عن أذى العين الشريرة"(1).
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "أي من حسدكم وغيركم عن الحالة المجيدة التي كنتم فيها؟ ولكن أينما تقرأ في الإنجيل عن الحسد لا تظن أن نظرة الحاسد لها أدنى تأثير على المحسود، كذلك فإن العين كعضو بريئة من هذه الخطية التي صدرت أساساً من القلب المنحرف كما أن الحاسد لا ينظر لينقد ويصلح بل ليدمر ويهلك لذلك فكلام الرسول لا يعني أن للحسد قوة في ذاته بل ليكشف الدوافع العميقة في قلوب معلميهم الكذبة"(٢).
مِنْ رِقَاكُمْ حَتَّى لَا تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ .. من سحركم وفتنكم وسلب عقولكم حتى لا تطيعوا الحق "حق الإنجيل" (غل ٢ : ١٤) .. "إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ" (غل ١ : ٧) .. "الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ" (غل ١ : ١١)؟! .. بولس الرسول لم يخمن ولم يستنتج، إنما هو شاهد عيان، فقال عن بطرس ومن تبعوه: "لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ" (غل ٢ : ١٤)، وأيضاً بعد ذلك سيعود بولس الرسول ويعيد نفس السؤال بصورة أخرى، حيث يقول لهم: "كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ حَسَنًا. فَمَنْ صَدَّكُمْ حَتَّى لَا تُطَاوِعُوا الْحَقَّ" (غل ٥ : ٧)، ويقول "ماكدونل": "لقد دلت تصرفات الغلاطيين على نقص في الفهم والإدراك فالانتقال من النعمة إلى الناموس هو بمثابة الانخداع ببرقي السحر والشعوذة، بحيث يقبل عمل الضلال على أنه الحق دون أن يدري وعندما يسأل بولس قائلاً: "مِنْ رِقَاكُمْ؟" يستخدم "مِنْ" في المفرد (باليوناني: تيس) وليس في الجمع، وربما كان هذا إشارة إلى أن الشيطان هو مصدر هذا التعليم الخاطئ. لقد بشر بولس نفسه للغلاطيين بالمسيح يسوع مصلوباً، مشدداً على أن الصليب يحررهم إلى الأبد من لعنة الناموس وعبوديته. فكيف يرجعون إلى الناموس محتقرين الصليب؟ ألم يسيطر الإنجيل على حياتهم العملية؟"(٣).
(1) أورده وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - رسالتا غلاطية وأفسس ص ٤٥
(٢) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٣١
(٣) الرسالة إلى غلاطية ص ٩٧٨، ٩٧٩