انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com ١٧٢

تفسير رسالة غلاطية

مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لَا تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ .. مَنِ الَّذِي اسْتَطَاعَ إِقْنَاعَكُمْ بِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِلنَّامُوسِ أَفْضَلُ مِنَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ؟! .. كَيْفَ انْقَلَبَتِ الْمَعَايِيرُ لَدَيْكُمْ؟!.. رُبَّمَا فَضَّلَ الْغَلَاطِيُّونَ أَعْمَالَ النَّامُوسِ لِأَنَّهَا تُشْعِرُهُمْ بِالْبِرِّ الذَّاتِيِّ، كَمَا كَانَ شُعُورُ الْفَرِّيسِيِّ أَمَامَ الْعَشَّارِ: أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ وَأَفْعَلُ وَأَفْعَلُ، وَلَسْتُ مِثْلَ هَذَا الْخَاطِئِ الْعَشَّارِ، فَفِي ظِلِّ أَعْمَالِ النَّامُوسِ يَتَفَاخَرُ الْإِنْسَانُ بِأَصْوَامِهِ وَصَلَوَاتِهِ وَخِدْمَاتِهِ وَأَعْمَالِهِ الْجَسَدِيَّةِ رَغْمَ أَنَّهَا خَالِيَةٌ مِنَ رُوحِ الْحُبِّ الْحَقِيقِيِّ، وَيَصِيرُ الْإِنْسَانُ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ قِدِّيسًا عَظِيمًا لَا تَسْتَحِقُّ الْأَرْضَ وَطْأَةَ قَدَمَيْهِ!

وَرُبَّمَا فَضَّلَ الْغَلَاطِيُّونَ أَعْمَالَ النَّامُوسِ الْمُرْتَبِطَةَ بِالْحَوَاسِ فَصَارُوا يَسْلُكُونَ بِالْعَيَانِ لَا بِالْإِيمَانِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَمْنَعُ أَبَدًا اسْتِخْدَامَ الْحَوَاسِ، فَالْعَيْنُ تَكْتَحِلُ بِمَنْظَرِ الْمَصْلُوبِ، ذَاكَ الْبَارِّ الْقُدُّوسِ الَّذِي بِلَا خَطِيَّةٍ وَحْدَهُ، الَّذِي تَعَرَّى لِكَيْ يَكْسُونَا، وَرُبِطَ لِكَيْ يَحُلَّنَا مِنْ رِبَاطَاتِ الْخَطِيَّةِ .. كَانَ ذَاكَ أَرْوَعَ مَنْظَرٍ رَأَتْهُ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى مَدَارِ تَارِيخِهَا الطَّوِيلِ، فَمِنْ وَسَطِ رَائِحَةِ الدِّمَاءِ وَالدُّمُوعِ وَالْأَنِينِ وَالْآلَامِ الرَّهِيبَةِ وَالْمَوْتِ الْقَاسِي تَنْبَعِثُ رَائِحَةُ الْحَيَاةِ وَالنَّجَاةِ لِلْبَشَرِيَّةِ .. أَنَّهُ أَعْظَمُ مَنْظَرٍ فِي الْوُجُودِ كُلِّهِ عَلَى مَدَارِ الْأَجْيَالِ وَإِلَى مُنْتَهَى الْأَيَّامِ يُشْبِعُ الْعَيْنَ وَيُنَقِّيهَا وَيُطَهِّرُهَا، وَكَمْ تَعَنَّى أَبُونَا بِيشُوي كَامِلٌ بِذَاكَ الْمَنْظَرِ الْخَلَّابِ؟!! .. كَمَا أَنَّ الْأُذُنَ تَتَشَنَّفُ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ وَتَرَانِيمِ الْخَلَاصِ، وَالْأَنْفَ يَتَبَسَّمُ رَائِحَةَ الْبُخُورِ، وَالْفَمَ يَتَقَدَّسُ بِمَذَاقَةِ جَسَدِ الْمَسِيحِ وَدَمِهِ الْكَرِيمَيْنِ.

أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا .. فِي الْقَدِيمِ: "صَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَوَضَعَهَا عَلَى الرَّايَةِ فَكَانَ مَتَى لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ النُّحَاسِ يَحْيَا" (عَد ٢١ : ٩)، هَكَذَا رُفِعَتِ الْحَيَّةُ النُّحَاسِيَّةُ أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسِيلَةً لِلنَّجَاةِ مِنَ الْمَوْتِ، وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا رَفَعَ ابْنُ الْإِنْسَانِ عَلَى صَلِيبِ النُّصْرَةِ عَلَى الْمَلَأِ كَعَلَامَةٍ لِلْخَلَاصِ لَا غِنَى عَنْهَا أَبَدًا لِلْوُصُولِ إِلَى الْأَبَدِيَّةِ، وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ بُولُسَ الرَّسُولِ "مَصْلُوبًا" فَلَمْ يَذْكُرِ الْحَدَثَ فِي الْمَاضِي كَفِعْلٍ تَمَّ وَانْتَهَى وَلَكِنْ ذِكْرُهُ فِي الْحَاضِرِ الْمُسْتَمِرِّ، فَالْمَصْلُوبُ مَا زَالَ يُخَلِّصُ وَسَيَظَلُّ يُخَلِّصُ إِلَى الِانْقِضَاءِ، وَقَدْ سَبَقَ وَتَحَدَّثَ بُولُسُ الرَّسُولُ مَعَ الْغَلَاطِيِّينَ عَنِ الْحِكْمَةِ الْفَائِقَةِ فِي مَوْتِ الْمَسِيحِ وَالْمَحَبَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنَ الصَّلِيبِ مَوْضِعَ سُرُورِ الْمَصْلُوبِ، وَنَجَحَ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي رَسْمِ الصُّورَةِ فِي أَذْهَانِهِمْ وَأَمَامَ أَعْيُنِهِمْ ..