صفحة 173
الأصحاح الثالث
— ١٧٣ —
يا ليت صورة المصلوب لا تفارق أذهاننا، فهكذا عاش آباؤنا القديسون الصليب بكل أحداثه العميقة التي ظهرت أعماق نفوسهم.
أَنْتُمْ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا
.. الأصل اليوناني لفعل "رسم" "بروغرافي" Prographien وتعني البروز الواضح سواء بالكتابة أو الرسم أو النقش، كما وردت "بروغرافي" بمعنى "كتب" كما جاء في قول بولس الرسول: "لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا" (رو ١٥ : ٤)، فالمقصود برسم هو ما أعلنه بولس الرسول من تعليم شفاهي سماعي عندما كان في غلاطية، وليس من خلال صور فوتوغرافية، وليس من خلال رسم بآلة ولا نقشاً على حجارة، بل هو تعليم شفاهي سماعي عن طريق الكرازة بالإنجيل (راجع الدكتور القس غبريال رزق الله - شرح رسالة غلاطية ص ٢٢٤)، فقد أعلن بولس الرسول لهم رسالة الصليب بكل مهارة ووضوح حتى صار منظر المصلوب ماثلاً أمام عيونهم، كما أن فعل "رسم" يعبر عن فكرة الإعلانات والملصقات (راجع وليم كلي - تفسير العهد الجديد - رسالتا غلاطية وأفسس ص ٤٥) فهو يعني رسماً معلناً للجميع مثل اللوحة الإعلانية الاسترشادية التي تحمل معلومات هامة وخطيرة للمسافر على الطريق، وبدونها يضل المسافر ويتعرض للهلاك.
أَنْتُمْ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا
.. قول بولس الرسول "أَنْتُمْ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ" يذكرنا بكلام السامريين للمرأة السامرية بعد أن مكث عندهم السيد المسيح يومين: "قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ" (يو ٤ : ٤٢)، وقد سيطر موضوع الصليب بأبعاده المختلفة على الفكر اللاهوتي للقديس بولس الرسول، فقد وصف أحداث الصليب بدقة بالغة حتى تصور الغلاطيون يسوع المسيح مصلوباً أمام أعينهم، وقال لأهل كورنثوس: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (١كو ٢ : ٢) وهو عين ما ركز عليه بطرس الرسول منذ عظته الأولى يوم الخمسين فقال عن سيده: "هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللَّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ. وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أع ٢ : ٢٣)، كما أراد بطرس أن يرسخ هذه الصورة في أذهان الأمم منذ كرازته لبيت كرنيليوس قائد المئة الأممي، فقال: "وَنَحْنُ شُهُودٌ بِكُلِّ مَا فَعَلَ فِي كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَفِي أُورْشَلِيمَ. الَّذِي أَيْضًا قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ" (أع ١٠ : ٣٩).