صفحة 174
تفسير رسالة غلاطية
رَسَمَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا .. ولعل أحد يتساءل: كيف رُسِمَ المسيح بينهم مصلوبًا؟! .. هل صُلِبَ المسيح في غلاطية أم في أورشليم؟! .. ويجيب "القدّيس يوحنا الذهبي الفم" قائلاً: "لم يُصلب (السيد المسيح) في غلاطية بل في أورشليم، ومع هذا يقول "بَيْنَكُمْ" ليعلن عن قوة الإيمان في رؤية أحداث تمت على بعد مسافات (حدث الصلب) . لقد رأوا بعيني الإيمان بأكثر وضوح من بعض الذين كانوا حاضرين ومشاهدين للصلب . هذه الكلمات تحمل مديحاً ولوماً، تمدحهم لقبولهم الحق المطلق، وتلومهم لأنهم تركوا المسيح الذي شاهدوه عارياً، مطعوناً، مسمّراً على الصليب من أجلهم، ولجأوا إلى الناموس، دون أن يخجلوا من هذه الآلام (التي احتملها عنهم)"(۱).
"أَأُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكُمْ هَذَا فَقَطْ أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ. أَهَكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ. أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟" (غل ٣: ٢، ٣).
"أَأُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكُمْ هَذَا فَقَطْ" .. هذا ليس أسلوباً ساخراً من بولس الرسول، إنما أسلوب يوضح مدى اتضاع كاروز الأمم، فهو مستعد أن يتعلم من أي أحد .. عجباً!! .. من يتعلم من من؟! .. هل التلميذ يتعلم من المعلم، أم أن المعلم من التلميذ؟! .. هل معلمنا ومُعلّم المسكونة بولس الرسول الذي عاين رب المجد يسوع، رجل الاستعلانات الإلهية يتعلم من الغلاطيين الذين تحوّلوا عن إنجيل المسيح؟! .. إن قول بولس الرسول هنا يعتبر تأنيب لهم، نابع مما ألم بنفس الرسول من ألم شديد نظراً لما ألم بالغلاطيين من تراجع وتخاذل عن إيمانهم بالمسيح المصلوب، وقولهم بعدم كفاية دمه للتبرير، وتحوّل نظرهم عن ذبيحة الجلجثة المنقذة بنار العدل الإلهي: "هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا. فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة" (من ثيؤطوكية يوم الأحد)، وعودتهم إلى أعمال الناموس من ختان وحفظ السبت وغيرهما، كل هذا تسبب في ألم شديد للقدّيس بولس .. انظر إلى قوله "هَذَا فَقَطْ" .. ماذا يقصد به؟ .. يقصد أن الموضوع في غاية البساطة، ولا يحتاج إلا الإجابة على الأسئلة القادمة فقط.
(۱) أورده القمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٤٢