صفحة 176
تفسير رسالة غلاطية
وأعمال الناموس، وقديماً تنبأ يوئيل النبي قائلاً: "وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَماً وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤَى. وَعَلَى الْعَبِيدِ أَيْضاً وَعَلَى الإِمَاءِ أَسْكُبُ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ" (يؤ ٢: ٢٨ ، ٢٩)، وفي العظة الأولى لبطرس الرسول أشار لهذه النبوة (أع ٢: ١٦ - ١٨)، وطلب من سامعيه وجميعهم من اليهود العاملين بالناموس أن يؤمنوا بالمسيح ويعتمدوا لكيما يقبلوا عطية الروح القدس (أع ٢: ٣٨)، وربما كان هناك بعض اليهود من سكان غلاطية في أورشليم حينذاك. إذا هم نالوا عطية الروح القدس بالتوبة والإيمان والمعمودية وليس بأعمال الناموس التي كانوا يسلكون فيها قبلاً. وأكد بولس الرسول على نفس الفكرة في ذات الأصحاح عندما قال: "لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ" (غل ٣: ١٤) كما أكد على نفس الفكرة في رسالته إلى أهل أفسس: "إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ الَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ" (أف ١: ١٣)، وروح الموعد هو عطية الروح القدس التي ينالها الإنسان بالإيمان بالمسيح ويعيش بها: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي" (عب ١٠: ٣٨).
أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان .. لقد نلنا مواهب الروح القدس وقواته وعجائبه بالإيمان بابن الله الوحيد، والروح القدس هو الأقنوم الثالث من أقانيم الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، فهو روح الآب: "لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت ١٠: ٢٠) وهو روح الابن أيضاً: "بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ أَرْسَلَ اللَّهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ" (غل ٤: ٦) .. الروح القدس قد أرسله الابن لنا من عند الآب: "وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي" (يو ١٥: ٢٦) وهذا بولس الرسول يستدل بالروح القدس الذي يشهد للسيد المسيح، وجاء ذكر الروح القدس في هذه الرسالة نحو ثمانية عشر مرة، فالروح القدس له دور جوهري في خلاص الإنسان الخاطئ، فهو الذي يبكته على خطاياه، ويعلن له بر المسيح، ويضعه أمام الدينونة الرهيبة: "وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ" (يو ١٦: ٨)، وشجع بولس أولاده في غلاطية قائلاً: "اسْلُكُوا بِالرُّوحِ" (غل ٥: ١٦) .. "إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ فَلْنَسْلُكْ أَيْضاً بِحَسَبِ الرُّوحِ" (غل ٥: ٢٥).