انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس
www.christianlib.com

الأصحاح الثالث

١٧٩

أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ ..

وما أجملها بداية، حيث ينفصل الإنسان تماماً عن ماضيه المظلم ويشرق في جنبات حياته شمس البر والشفاء في أجنحتها، ويسكن داخله الروح الوديع الهادئ روح الله القدوس، فيتحول إلى إنسان ملائكي السيرة .. فهل بعد هذا يرتد لماضيه المظلم؟!

أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمِّلُونَ الْآنَ بِالْجَسَدِ ..

هل بعد أن بدأتم حياتكم الروحية في نور وقوة الروح القدس، وكان ينبغي أن تكونوا الآن أكثر نضجاً، ترتدون إلى الأعمال الجسدية؟! .. كيف تريدون أن تصلوا إلى النضج الروحي عن طريق الجسد؟! .. ما أبعد الفارق بين هذا وذاك، بين الروح وبين الجسد، بين سماء السموات وبين دركات جهنم النار، بين المجد الأبدي والعذاب الأبدي؟! .. من بدأ بالروح وأكمل بالجسد كمن وضع أساساً قوياً متيناً يتحمل مبنى شاهق الارتفاع ثم شك في متانة هذا الأساس فتركه وراح يُكمل مبناه على الرمال بعيداً عن هذا الأساس، فهذا تكميل خاطئ منقوص، فالمبنى مهما ارتفع فحتماً سينهار يوماً، هكذا من آمنوا بكفاية عمل المسيح الكفاري ثم شكوا في هذا وراحوا يبنون حياتهم على أعمال الناموس.

أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمِّلُونَ الْآنَ بِالْجَسَدِ ..

ويكرر بولس الرسول نفس المعنى في ذات الرسالة عندما يقول: "وَأَمَّا الْآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللَّهَ بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللَّهِ فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضاً إِلَى الْأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ" (غل ٤: ٩)، وفي الآية موضع تأملنا يستخدم بولس الرسول كلمتين متضادتين هما: "الروح" و"الجسد"، والمسيحية ديانة روحية، ومع ذلك فهي ليست ضد الجسد، بل أن الجسد هو موضع رعاية واهتمام الإنسان المسيحي: "فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ" (أف ٥: ٢٩)، ولكن المسيحية ترفض أعمال الجسد الفاسدة وشهواته الرديئة، ولذلك أوصى بولس الرسول أولاده قائلاً: "وَإِنَّمَا أَقُولُ اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلَا تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. لِأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحَ ضِدَّ الْجَسَدِ وَهَذَانِ يُقَاوِمَانِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ" (غل ٥: ١٦، ١٧) ويذكر بولس الرسول أيضاً أعمال الجسد (غل ٥: ١٩ - ٢١) التي ينبغي أن يبتعد عنها الإنسان، ثم أجمل القول عندما قال: "لِأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً. وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غل ٦: ٨).