صفحة 181
— ١٨١ —
الأصحاح الثالث
ويقول "القديس يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الفَمِ": "لقد احْتَمَلْتُمُ الكثير من أجل إيمانكم، فهل كان هذا عبثاً؟! .. لقد تَأَلَّمْتُمْ كثيراً بسبب إيمانكم، فلا تَخَافُوا من هؤلاء المخادعين، لئلا يَجْرُدُونَكُمْ من إِكْلِيلِكُمْ وَيَسْرِقُونَهُ منكم" (١).
أَهَذَا الْمِقْدَارَ احْتَمَلْتُمْ عَبَثاً إن كان عبثاً .. يقول بولس الرسول لهم أيها الغلاطيون إن كنتم قد رأيتم أن إيمانكم بالمسيح، وما قاسيتموه من أتعاب في سبيل ذلك عملاً عبثياً لا طائل منه، عملاً بلا داع وبلا هدف، وأنه طيش بلا فائدة .. فلماذا احتملتم كل هذه الآلام؟! .. وهل من الحكمة أن تبيعوا بِالرَّخِيصِ اللُّؤْلُؤَةِ الْكَثِيرَةِ الثَّمَنِ؟! .. كيف ترجعون إلى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ وتَنْسَوْنَ ما قَاسَيْتُمُوهُ من أجل الْمَصْلُوبِ؟!
أَهَذَا الْمِقْدَارَ احْتَمَلْتُمْ عَبَثاً إن كان عبثاً .. قال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن الإنجيل الذي بشرهم به: "وَيَهْ أَيْضاً تَخْلُصُونَ إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيَّ كَلامٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ إِلا إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثاً" (١كو ١٥ : ٢)، فبولس الرسول يقول للكورنثوسيين أن خلاصكم يتوقف على قبولكم الإنجيل الذي بشرتكم به، والعمل بحسب وصاياه، دون أن تحيدوا عنه: "إِنَّ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا" (غل ١ : ٨) وإلا ستفقدون خلاصكم، ويصبح إيمانكم عملاً عبثياً لا قيمة له، فهو إيمان نظري مساو لإيمان الشياطين.
"فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ وَيَعْمَلُ قُوَّاتٍ فِيكُمْ أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ"
(غل ٥ : ٥).
فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ .. الذي أعطاكم أن تتمتعوا بمواهب الروح .. هل كان هذا بأعمال الناموس أم بخبر الإيمان؟! .. إن عمل الروح القدس وخدمته هو عمل عظيم مجيد:
"فَكَيْفَ لاَ تَكُونُ بِالأَوْلَى خِدْمَةُ الرُّوحِ فِي مَجْدٍ" (٢كو ٣ : ٨)، وأَنْتُمْ قَدِ اخْتَبَرْتُمْ هَذَا.
ويعمل قُوَّاتٍ فِيكُمْ .. يستشهد بولس الرسول ليس بموقف حدث في الماضي وانتهى، إنما يستشهد بموقف حي معاصر، ما زال يجري بينهم، وهو عمل القوات والآيات والمعجزات، فالآب يعمل القوات بروحه الْقُدُّوسِ السَّاكِنِ فينا، وبدأ عمل الآيات منذ الكنيسة
(1) أورده القمص تادرس يعقوب - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص