صفحة 182
١٨٢
تفسير رسالة غلاطية
الأولى: "شَاهِدًا اللَّهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبَ الرُّوحِ الْقُدُسِ حَسَبَ إِرَادَتِهِ" (عب ٢ : ٤). وهو مستمر في الكنيسة على مدى الأيام كقول مخلصنا الصالح: "وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ .." (مر ١٦ : ١٧، ١٨).
فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ وَيَعْمَلُ قُوَّاتٍ فِيكُمْ .. فبعد أن سألهم بولس الرسول كيف أخذوا عطية الروح القدس؟ وهل يصح بعد أن بدأوا بداية حسنة بالروح أن يستكملوا مشوار الملكوت بالجسد؟ وهل احتملوا كل هذه الآلام عبثاً؟ وهنا يأتي السؤال الرابع عمن منحهم عطية الروح القدس ومواهبه وعمل المعجزات والآيات والقوات معهم؟ وبلا شك أن هذا السؤال الذي وجهه بولس الرسول للغلاطيين سؤال بلاغي، لأن بولس الرسول يعرف إجابته جيداً، ولكن ما يصبوا له أن يثير اهتمام هؤلاء الغلاطيين، ويوقظهم مما هم فيه من ضلال، وينير لهم شمعة على الطريق ليصوبوا سلوكهم.
فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ وَيَعْمَلُ قُوَّاتٍ فِيكُمْ أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ .. هذا السؤال الرابع مرتبط جداً بالسؤال الأول: "أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ" (غل ٣ : ٢)، فهو إعادة لذات السؤال بصورة مختلفة، في المرة الأولى تكلم عن الروح القدس مأخوذاً، وفي هذه الآية يتكلم عنه ممنوحاً، وكلمة "يمنح" هنا في الأصل اليوناني تحمل معنى الفيض والسخاء كقول الرب يسوع: "مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هَذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ. لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ" (يو ٧ : ٣٨ - ٣٩)، وقد ترجمت كلمة "يمنح" في مواضع أخرى إلى "يقدم" كقول بولس الرسول: "وَالَّذِي يُقَدِّمُ بِذَاراً لِلزَّارِعِ وَخُبْزاً لِلأَكْلِ سَيُقَدِّمُ وَيُكْثِرُ بِذَارَكُمْ وَيُنْمِي غَلاَتَ بِرِّكُمْ" (٢كو ٩ : ١٠)، وكقول بطرس الرسول: "لأَنَّهُ هَكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ" (٢بط ١ : ١١)، فالروح القدس هو منحة الآب للبشرية: "الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ" (لو ١١ : ١٣) والابن هو الذي أرسل لنا الروح القدس من عند الآب (يو ١٥ : ٢٦) والروح القدس هو الذي ينقل لنا استحقاقات الفداء، وهو الذي يزين النفس البشرية لكيما تصلح للمملكة.
وفي هذه الأعداد يذكر بولس الرسول الغلاطيين بالآتي: