صفحة 186
تفسير رسالة غلاطية
كَمَا آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا .. هل تبرر إبراهيم بأعمال الناموس؟! .. كلاً، لأن الناموس لم يكن قد أعطي بعد، وهذا يرد على زعم المتهودين بأن الناموس جاء أولاً ثم الإيمان، وقال بولس الرسول: "فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثاً لِلْعَالَمِ بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ" (رو ٤ : ١٢).
ويقول "القمص تادرس يعقوب": (أ) بحسب التقليد اليهودي نفسه جاء في عظة مدراشية ("مدراش" تعني تفسيراً) أن إبراهيم حُسب باراً أمام الله بالإيمان (ع ٦) وليس بحفظ طقوس ناموسية .. (جـ) اعتاد المعلمون الكذبة أن يُربكوا الغلاطيين بقولهم أن الناموس جاء أولاً ثم الإيمان. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: {الآن يزيل هذا المفهوم، إظهار أن الإيمان سبق الناموس، كما يتضح من حالة إبراهيم الذي تبرّر قبل استلام الناموس}. تبرّر إبراهيم قبل وضع ناموس الختان بخمسة عشر عاماً (١).
وفعل "حُسِبَ" في الأصل اليوناني يحمل معنى "أن يودع في حساب شخصي .." (راجع وارين ويرزبي - كُن حراً - دراسة في الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٥٣)، فعندما يتوب الخاطئ ويؤمن بالمسيح فإن برّ الله يودع في حسابه رصيداً يكفي لتبريره تبريراً كاملاً، فيصبح إنساناً مُبرّراً.
كَمَا آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا .. "آمن إبراهيم بالله فحُسب باراً. لقد خرج، ترك بيته وخاطر بكل شيء وهو لا يعلم إلى أين يأتي (عب ١١ : ٨). لقد آمن بالله تماماً دون تردد، وصدق الله. لاحظ الآن: إن حفظ إبراهيم للناموس ليس هو الذي أسرّ الله. في الواقع، فإن الناموس لم يكن قد أُعطي بعد (غل ٣ : ١٧). ما أسرّ الله وما جعله يُبرّر إبراهيم كان إتباع إبراهيم لما قاله الله. آمن إبراهيم ببساطة بوعد الله بأن الله سوف يعطيه حياة جديدة في أمة جديدة مع شعب جديد ..
الدليل على أن إبراهيم آمن حقاً بالله كان لأنه فعل ما قاله الله. إيمانه سبق طاعته. لقد آمن بالله ثم أطاع الله. لو لم يكن قد آمن بالله لما ترك بيته وعمله، لما ترك أيضاً أصدقاءه ومحبيه، لما ترك أيضاً العلاقات التي تعني الكثير بالنسبة له وارتباطاته
(1) رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٤٣، ٤٤