صفحة 188
تفسير رسالة غلاطية
"لا تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ لَنَا إِبْرَاهِيمَ أَبَا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاداً لإِبْرَاهِيمَ" (مت ٣: ٩).
فالذي له إيمان إبراهيم ويعمل أعمال إبراهيم هو بالحقيقة ابن لإبراهيم حتى لو كان من الأمم، فقال بولس الرسول عن إبراهيم: "الذي كان في الغرلة ليكون أباً لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة كي يُحسب لهم أيضاً البر. وأباً للختان للذين ليسوا من الختان فقط بل أيضاً يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي الْغُرْلَةِ" (رو ٤: ١١، ١٢).
ويقول "وليم باركلي": "الانتساب الحقيقي لإبراهيم هو أن يمارس الإنسان في كل يوم وفي كل جيل نفس مجازفة الإيمان التي قام بها إبراهيم. ولذلك فإن من يرثون وعد إبراهيم ليسوا من يبحثون عن مكافأة حفظ الناموس، ولكنما أولئك الذين من كل أمة يؤمنون بالله كما آمن إبراهيم"(١).
ويقول "القمص تادرس يعقوب": "بالمنطق يليق بأولاد إبراهيم من اليهود أو الأمم أن يتشبهوا به، أي أن يعيشوا بالإيمان فيشاركوه في المواعيد. أبناء إبراهيم الحقيقيون هم فقط الذين يتمثلون بإيمانه. ففضيلة الإيمان تأتي بالأمم إلى الالتصاق بإبراهيم أكثر من اليهود نسله حسب الجسد. الذين يتكلون على الإيمان بالمسيح يسوع لتبريرهم سوف يتباركون مع إبراهيم المؤمن"(٢).
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ .. مقابل البنوة الروحية استهان بولس الرسول بالبنوة الجسدية، وهذا عكس طبيعة شاول الطرسوسي الفريسي ابن الفريسي المتزمت المعتز ببنوته الجسدية لإبراهيم إذ هو من سبط بنيامين بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، ولكن هذا ما فعله الإيمان في بولس الرسول إذ عدّل الموازين المقلوبة التي كانت تسيطر عليه، فاقتنع أن البنوة الروحية دائمة، بينما البنوة الجسدية لا طائل منها إلا إذا اندمجت بالبنوة الروحية، وبذلك لم يعد هناك ضرورة ملحة للبحث عن النسب، وهي عملية شاقة وطويلة تستلزم حفظ أسماء الآباء والأجداد وأجداد الأجداد حتى يصل الإنسان بنسبه إلى أحد أولاد يعقوب الاثني عشر، وهي عملية مرهقة وعسرة للغاية، وقد يفشل الإنسان في
(١) تفسير العهد الجديد - رسالتا غلاطية وأفسس ص ٤٥
(٢) رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٤٣