صفحة 190
تفسير رسالة غلاطية
— ١٩٠ —
التي تضيء لنا الطريق كسراج منير: "وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ وَهِيَ أَثْبَتُ الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ وَيَطْلُعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ" (٢بط ١: ١٩).
وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ اللَّهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ .. في الكتاب نرى بعض الأمور التي كانت في قصد الله ولم تُعلن لأحد من البشر وربما للملائكة، مثل قضية التجسد والفداء، وقبول الله للأمم، مثل هذه الأمور جاءت في الكتاب لأنه كتب بوحي من روح الله القدوس الذي يكشف أعماق الله: "لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللَّهِ. لأَنَّ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ. هَكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللَّهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللَّهِ" (١كو ٢: ١٠، ١١)، فقد كان تبرير الأمم بالإيمان سر أخفي عن الكثيرين، وهذا ما أوضحه بولس الرسول بأن الله قد أعلن له هذا السر، وهو قبول الأمم، فقال: "أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ .. الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ. أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ" (أف ٣: ٦).
ويقول "ماكدونل": "يصف لنا هذا العدد (۸) العهد القديم وكأنه نبي ينظر عدة قرون إلى الأمام فيرى أن الله يبرر الأمم كما اليهود أيضاً على مبدأ الإيمان. وما سبق العهد القديم فرأى بركة الأمم فقط، بل أعلنها أيضاً لإبراهيم إذ قال له: "وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك ١٢: ٣).
وقد نستصعب في البداية ونحن نقرأ هذا العدد من سفر التكوين، أن نرى كيف وجد فيه بولس هذا المعنى. ومع هذا فإن الروح القدس إذ كتب هذه الآية في العهد القديم، عرف أنها تحتوي على إنجيل الخلاص بالإيمان لجميع الأمم. فقد استطاع بولس أن يشرح المعنى الضمني لهذه الآية لأنه يكتب بوحي الروح القدس ذاته: فيك .. أي مع إبراهيم بالطريقة نفسها كإبراهيم، وجميع الأمم تعني الأمم واليهود على السواء. تتبارك - أي ستخلص. لكن كيف خلص إبراهيم؟ بالإيمان. وكيف ستخلص الأمم؟ بالطريقة نفسها مثل إبراهيم - بالإيمان. وعلاوة على ذلك لا ضرورة لأن يصبح الأمم يهوداً لكي يخلصوا"(١).
(١) الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٩٨٠، ٩٨١