صفحة 192
تفسير رسالة غلاطية
ولكن فيما وراء وعد الله، كان هناك شيء أكثر من مجرد إتمام بشرى أرضية. كان ابن إبراهيم، إسحق، نوعاً من الذرية الحقيقية (النسل الحقيقي) الذي كان عليه أن يأتي، وكانت الأمة اليهودية نوعاً من الأمة الحقيقية التي كانت لتولد .. الكلمة "نسل" مفرد، وليست جمعاً (غل ٣ : ١٦). إن وعد الله لا يشير إلى جمع عظيم من الناس، بل إلى شخص واحد. هذا الشخص هو يسوع المسيح، إتماماً لوعد الله لإبراهيم. والأمة الموعودة هي أمة المؤمنين الجديدة التي يخلقها الله لكي ترث السموات الجديدة والأرض الجديدة(۱).
ويقول "القديس يوحنا ذهبي الفم": "إن كلمة "جَمِيعُ الأُمَمِ" تؤكد دخول الوثنيين في نسل إبراهيم حين يؤمنون بشبه إيمانه فيصيرون أولاده بعكس من يرتبطون به عن طريق الدم. كذلك يؤكد هنا أن الإيمان أقدم من الناموس ولقد تبرر به إبراهيم قبل إعطاء الناموس بأجيال كثيرة"(۲).
إِذَا الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ .. عبارة "الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ" هي نفس العبارة التي ذكرها بولس الرسل في (ع ٧)، ليؤكد أن التبرير والخلاص ليس له طريق آخر غير طريق الإيمان بالمسيح الفادي والثقة في كفاية الفداء، وبدون الإيمان به لا خلاص للإنسان مهما صنع من أعمال حسنة، لأن أبواب الملكوت ستظل موصدة في وجه كل إنسان يعتمد على بره الذاتي رافضاً التبرير بدم المسيح (رو ٣ : ٢٤). أما جميع المؤمنين فإنهم يتباركون، فهذه هي النتيجة الحتمية والأكيدة التي يؤكدها الكتاب المقدس أن الإنسان المؤمن الحقيقي الذي تبرر بدم المسيح وحفظ طهارته وحياته من الدنس بنعمة المسيح يخلص ويرث الملكوت.
يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ .. لقد بارك الله إبرام وغير اسمه إلى إبراهيم قائلاً له: "فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ. لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبَا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ" (تك ١٧ : ٥ ، ٦)، وهذا العهد الذي أقامه الله مع إبراهيم، دخل فيه جميع الأمم، حتى أن بعض الأمميين فاقوا بني إبراهيم في الإيمان .. اسألوا المرأة الكنعانية وكيف شهد الرب يسوع لإيمانها، وقائد المئة الأممي الذي
(۱) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية . جـ ٩ - الرسالة إلى أهل غلاطية ص ٣٩
(۲) تفسير رسالة غلاطية للقديس يوحنا ذهبي الفم ص ٣٣