صفحة 195
الأصحاح الثالث
أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ. بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئُ" (لو ١٨ : ١١ - ١٣). فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ .. "إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" (لو ١٨ : ١٤).
لأنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ .. لماذا هم تحت اللعنة؟ وهل الناموس يمثل لعنة؟ .. كلاً لأن الناموس صالح، فالشهيد اسطفانوس قال: "هَذَا هُوَ مُوسَى .. هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ مَعَ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ وَمَعَ آبَائِنَا. الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالاً حَيَّةً لِيُعْطِينَا إِيَّاهَا" (أع ٧ : ٣٧، ٣٨)، والناموس هو كتاب العهد الذي التزم به الشعب، فموسى النبي: "أَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ فَقَالُوا كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ" (خر ٢٤ : ٧). إذا هم قطعوا عهداً على أنفسهم أن يلتزموا بكل ما تكلم به الرب. لا أن يستمعوا إليه فقط بل يعملوا به أيضاً: "لأَنَّ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللَّهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ" (رو ٢ : ١٣)، وحكم الناموس باللعنة على الإنسان الذي لا يطيع جميع وصاياه ونواهيه وأحكامه بدون أي استثناء، وبذلك تساوى اليهودي مع الأممي، فكليهما تحت حكم اللعنة والخطية والموت، حتى قال بولس الرسول: "نَحْنُ أَفْضَلُ. كَلاَّ الْبَتَّةَ. لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللَّهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو ٣ : ٩ - ١٢).
ولقد ظن المتهودون أن الأمم هم تحت اللعنة لأنهم لا يعرفون الناموس، ولم يدركوا أنهم هم أيضاً تحت اللعنة لأنهم لم يلتزموا بالناموس التزاماً كاملاً، وربما أدركوا أنه من المستحيل الالتزام بجميع وصايا الناموس، لذلك راحوا يتمسحون باستحقاقات الآباء ولا سيما إبراهيم، وتمسكوا بالختان كعلامة عهد بينهم وبين الله، وكان الإنسان اليهودي يظن أنه لا يمكن أن يهلك إنسان مختتن من أبناء إبراهيم، ولا يمكن أن يُلقى في جهنم النار مع الأمم الذين خُلقوا كوقود للنار الأبدية، فإذ ببولس الرسول يكشف لهم الحقيقة أن الذين يعرفون الناموس هم جميعهم تحت اللعنة، لأن ولا واحد منهم استطاع أن ينفذ جميع وصاياه وأحكامه