صفحة 196
تفسير رسالة غلاطية
وفرائضه التي شملت كل مناحي الحياة، فالناموس لم يكن مأدبة غذاء يلتقط منها الإنسان ما يشأ ويترك ما يشأ، حتى لو افترضنا جدلاً أن إنساناً سيتمم كل وصايا الناموس، فما أدرك أنه لا يسقط في الكبرياء والبر الذاتي؟!
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ .. والمكتوب هو كلام الله الذي لا يتغير، وفي التجربة على الجبل حارب عدو الخير ابن الله بالمكتوب، فأجابه الرب يسوع بالمكتوب أيضاً: "مَكْتُوبٌ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ" (مت ٤ : ٤). "قَالَ لَهُ يَسُوعُ مَكْتُوبٌ أَيْضًا لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ" (مت ٤ : ٧). كما قال له الرب يسوع: "مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت ٤ : ١٠)، وفي ليلة آلامه قال لتلاميذه: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ" (مت ٢٦ : ٣١). وكثيراً ما استخدم رجال العهد الجديد نفس التعبير، فمتى البشير يقول مثلاً: "لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ" (مت ١ : ٢٢)، وقال مرقس الإنجيلي: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" (مر ١ : ٢)، وقال لوقا الطبيب: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ" (لو ٢ : ٢٣). وبولس الرسول يقول: كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ" (رو ١ : ١٧) "وَحَسَبَ الْكُتُبِ" (١كو ١٥ : ٣، ٤) وقال بطرس الرسول: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (١بط ١ : ١٦) .. إذاً لا يمكن إلغاء المكتوب، وقديماً وقفت أسباط لاوي وجاد وأشير وزبولون ودان ونفتالي على جبل عيبال، جبل اللعنة، وكان اللاويون يصرخون: "مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي .. وَيُجِيبُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَقُولُونَ آمِينَ" (تث ٢٧ : ١٥) وتتكرر اللعنات اثنى عشر مرة، وفي المرة الأخيرة تأتي اللعنة إجمالية: "مَلْعُونٌ مَنْ لاَ يُقِيمُ كَلِمَاتِ هَذَا النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهَا. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ آمِينَ" (تث ٢٧ : ٢٦). كما كلم الرب إرميا ليوصي رجال يهوذا وسكان أورشليم: "فَتَقُولُ لَهُمْ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ. مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ كَلاَمَ هَذَا الْعَهْدِ" (إر ١١ : ٣)، فهكذا هو مكتوب في الكتاب الخالد.
لأَنَّهُ مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ .. يخاطب بولس الرسول المتهودين بالمنطق والعقل: أنتم تريدون أن تتبرروا بالناموس، هذا حسن جداً، ولكن أحد منكم لا يستطيع أن يلتزم بجميع المكتوب في الناموس دون أن يخطئ في واحدة، إذاً جميعكم ستلحقكم لعنة الناموس عوضاً عن البركة، وحتى أن