صفحة 208
تفسير رسالة غلاطية
مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ . . قال بطرس الرسول لرؤساء الكهنة: "إِلَهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ" (أع ٥ : ٣٠)، وقال للحاضرين في بيت كرنيليوس: "يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ . الَّذِي أَيْضاً قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ" (أع ١٠ : ٣٨، ٣٩)، وفي رسالته الأولى قال: "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ" (ابط ٢ : ٢٤)، وقال بولس الرسول في مجمع أنطاكية بيسيدية: "وَمَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ طَلَبُوا مِنْ بِيلاَطُسَ أَنْ يُقْتَلَ . . وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ" (أع ١٣ : ٢٨، ٢٩). . من شجرة معرفة الخير والشر أكل أبوينا الأولين وخالفا الوصية الإلهية فسقطا، ومعهما سقطت كل البشرية، وسرى حكم الموت على الجميع، ومن قبل الصليب شجرة الحياة صار الخلاص لجنسنا من حكم الموت واللعنة . . كانت خشبة الصليب رمز الذل والعار، ولكن بعد أن عُلِّق عليها الملك المسيح صارت موضع الفخر والاعتزاز.
لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع . . كيف تصير بركة إبراهيم للأمم وهو قد انعزل عن الأمم؟ . . لقد دعى الله إبراهيم للخروج من أرضه وعشيرته وأنه سيكون معه، فآمن إبراهيم وترك أهله وعشيرته إلى أرض لا يعرفها فحسب له ذلك براً، وهو كان في الغرلة ولم يختتن بعد، وهذا ما أكده بولس الرسول: "أَفَهَذَا التَّطْوِيبُ هُوَ عَلَى الْخِتَانِ فَقَطْ أَمْ عَلَى الْغُرْلَةِ أَيْضاً . لأَنَّنَا نَقُولُ إِنَّهُ حُسِبَ لإِبْرَاهِيمَ الإِيمَانُ بِرّاً" (رو ٤ : ٩)، وقد صارت بركة إبراهيم للأمم عن طريق نسله عندما تلقى الوعد الإلهي أن في نسلك تتبارك الأمم، والمقصود بالنسل السيد المسيح، وقال الله له: "وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك ١٢ : ٣). ثم أعاد الوعد بقسم قائلاً: "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ إِنِّي أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيراً كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ . . وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ" (تك ٢٢ : ١٦ - ١٨)، وللحصول على بركة إبراهيم لا بد من التخلص من لعنة الناموس، والخلاص من لعنة الناموس لن يتم إلا بالمسيح يسوع الذي افتدانا من لعنة الناموس هذه، فهدف الفداء أن تصل بركة إبراهيم للأمم.
ويقول "الأب متى المسكين": "والتناظر بديع بين المسيح معلق مربوط على الصليب والخروف ممسوك بقرنيه في الشجرة، لذلك يلذ للشراح والوعاظ أن يصفوا المسيح أنه صُلِبَ