صفحة 21
— ٢١
تمهيد
وقالوا إن كبار الرسل بطرس ويعقوب ويوحنا لم يمنعوا الختان ولا حفظ الناموس، فمن هو بولس حتى يسير بخلاف هذا. ثم أن شرط الرسولية الذي توفر في متياس الرسول لا ينطبق على بولس .. ألم يقل الرسل: "فَيَنْبَغِي أَنْ الرِّجَالَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا الرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ" (أع ١: ٢١، ٢٢)، بل أن بولس الرسول قد اضطهد الكنيسة بإفراط، فمن أين أتته الرسولية؟! وعلى هؤلاء رد بولس الرسول موضحاً بأن الله الآب قد أفرزه واختاره من بطن أمه (غل ١: ١٥) وقد دعاه للخدمة، والابن أشرق عليه بنوره وهو على أبواب دمشق وأرسله للخدمة، والروح القدس أيده، فهو مختار ورسول من الثالوث القدس الآب والابن والروح القدس الإله الواحد.
وأكد بولس الرسول أن الإنجيل الذي يُبشر به لم يأخذه من إنسان بل بإعلان من الرب يسوع، ولهذا لم يهتم على الإطلاق بإرضاء الناس على حساب الإنجيل: "أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللَّهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْداً لِلْمَسِيحِ. وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل ١: ١٠ – ١٢)، (راجع أيضاً غل ١: ١٥ – ١٧، ٣: ١، ٥، ٩ – ١١، ١٧).
ويجب ملاحظة أن الرسل في بداية الكرازة في أورشليم كانوا يمارسون عباداتهم وصلواتهم في الهيكل: "وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُوَاظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ" (أع ٢: ٤٦) (أيضاً أع ٣: ١)، ولم يمنع الآباء الرسل اليهود الذين آمنوا عن تتميم عملية الختان، ويقول "الأب متى المسكين": "والله لم يستعجل أن يفطمهم عن الناموس، بل تركهم إلى حين وبدأ من اتجاه آخر يعد لإلغاء الناموس وأعماله. وهنا السر الذي يريد القديس بولس أن يكشفه من أول الرسالة أنه ليس مُرسلاً من الناس أي من الرسل. لأننا نعلم أن القديس بولس تعين من المسيح رأساً ليكون رسولاً للأمم على أساس "الإيمان بالمسيح " فقط دون ممارسة الناموس أو أعمال الناموس أو طقوس اليهود وعوائدهم (۱).
(۱) شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية ص ٦٧